يونيو 14, 2024
اخر الاخبارتعليم وجامعاتسلايدر رئيسيةمقتطفات تلسكوب

المركز الوطني لتطوير المناهج – ولادة عجيبة ونمو أعجب

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتب أ. د. عبد المجيد نصير

هبط علينا المركز الوطني لتطوير المناهج حسب نظامه رقم 33 لسنة 2017، من فوق بطريقة عجيبة غريبة. لذلك، لنا الحق أن نشك في كل ما يتعلق به. أولا، صدر النظام بموجب المادة 120 من الدستور. وأدون تاليا نص هذه المادة:

المادة 120: “التقسيمات الإدارية في المملكة الأردنية الهاشمية وتشكيلات دوائر الحكومة، ودرجاتها، وأسماؤها، ومنهاج ادارتها، وكيفية تعيينهم وعزلهم، والإشراف عليهم، وحدود صلاحياتهم، واختصاصهم، تعين بانظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك”.

والآن أريد أن أتساءل أين النص في هذه المادة الذي يجيز انشاء مركز للمناهج وتطويرها. وواضح أن المادة تهتم بالتقسيمات الإدارية في المملكة من محافظات وألوية وأقضية، والقائمين عليها من محافظين ومتصرفين ومديري أقضية. ولذلك، اصدار نظام لمركز تطوير المناهج هو مخالفة دستورية. وواضح أيضا، أن الغاية من ذلك ألا يكون انشاء هذا المركز بقانون يصدر عن مجلس الأمة. لأن في ذلك خشية أن يناقش مثل هذا المشروع نقاشا عميقا مستفيضا من نواح كثيرة، وأن ينظر بريبة إلى وجوده، مع وجود مديرية المناهج في وزارة التربية والتعليم منذ ستين سنة، تشرف على المناهج جميعها، وعلى التأليف والطباعة والتوزيع. فلماذا يوجد مركز مواز، أو بديل، مستقل عن وزارة التربية والتعليم؛ مربوط برئيس الوزراء مباشرة (المادة 3/ج). وقد يقول قائل لماذا لا تطعنون في دستوريته؟ والجواب هو أيضا في التعديل الدستوري الذي أوجد المحكمة الدستورية سنة 2011. إذ حصر الدستور الاستفسار عن دستورية قانون ما بالحكومة ومجلس الأعيان ومجلس النواب فقط. ومعنى ذلك أنه لو اجتمع مليون مواطن اردني ليطعنوا في دستورية قانون أو مادة قانونية ما جاز لهم ذلك، ولو كانوا جميع الحقوقيين في البلد. وهكذا تضيع حقوق العامة وكأنهم أيتام على مأدبة لئام!

ولنا الحق في الاستفسار عن ولادة هذا المركز خارج رحم وزارة التربية والتعليم، التي من مسؤولياتها كل ما يتعلق بالتعليم العام للمواطنين في جميع المراحل، ومن ذلك المناهج المدرسية وما يلحق بها من تأليف وطباعة وتطبيق وتحديث ومراجعة. وهكذا تكون المناهج بتعريفها الواسع، وليس فقط بالمقررات التدريسية وكتبها، جزءا من منظومة متكاملة تشرف عليها جهة واحدة، وهو عين الصواب. وهذا ما قامت به مديرية المناهج وتقوم به على مدى ستين عاما.وهي دوما تقوم بتطوير المناهج من محتوى وأساليب وغير ذلك. وعندما نشأت الحاجة لتحديث أو تطوير في مبحث أو أكثر شكلت الوزارة فريقا خاصا بذلك تحت اشرافها. وهذا ما حدث فعلا في أول سبعينات القرن الماضي عندما ألفت الوزارة “الفريق القومي لتطوير الرياضيات” برئاسة المرحوم الدكتور أحمد سعيدان، وكنت عضوا فيه. لذلك، نعيد سؤالنا: لماذا هذا المركز، وهذه الولادة العجيبة؟

ونجد الجواب عند الدكتور خالد الكركي، رئيس مجمع اللغة العربية الأردني، الذي كان عضوا في المجلس الأعلى فيه، ثم قدم استقالته. وها هو يذكر لنا سبب الاستقالة وما وراء هذا المركز في محاضرة ألقاها في جامعة مؤتة ونشرتها جريدة الدستور في 12/9/2021. فهو يقول:

“قدمت استقالتي لأن رياح التطوير المطلوبة لم تكن تجري بما يشتهيه المعلم والطالب والأهل والوطن. ولأن حجم التدخل في شأن المناهج من خارج الخبرات الوطنية الحقيقية أصبح أصلا لا فرعا عند أهل “التطوير”، الذين قال بعضهم عني وعن أصحابي إننا “متهالكون” و :منافقون”. “متهالكون” لأنا ما استطعنا الترحيب بالعطاءات والمناهج الأجنبية، مستدرجين رضا عالميا استهلاكيا لامعا فارغا زائفا، ما احتاجه يوما ذاك المعلم الذي كنتُه في مدرسة الكرك الثانوية في آخر الستينات، ومن ثمّ في مدرستي الحسين ورغدان؛ والأكاديمي بعدها والسياسي، ورئيس مجمع يريد في خريف عمره أن يكون جزءا من الحفاظ على اللغة العربية، مخلصا لكل علمه حرفا في قريته البعيدة القريبة. على أنه أضحى، كما يبدو في هذا الخريف، شيخا عربيا غريب الوجه واليد واللسان”.

“كل هذا، لم نكن نتخيل أن يأتي زمن تعلمنا فيه سفارة أجنبية معنى الحرية والتفكير والمرأة والعدالة والشجاعة وروح الإسلام”.

أو بعد هذا من تعجب؟ هذا المركز هبط علينا بقوة خارجية عدوة، تريد أن تعيد نشكيل عقول الأجيال القادمة بعيدا عن ثوابت أمتهم في الانتماء للعروبة والإسلام، والهوية المميزة، والرسالة العالمية التي أكدتها الآية الكريمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعامين”.

إن المادة 4 من نظام المركز تتحدث عن أهدافه في خمس فقرات جميعا تذكر “تطوير”. ومع أنه لا خلاف في المضمون، فالتطوير مطلوب مع الحفاظ على الثوابت، ولكن هذه الفقرات من صميم عمل وزارة التربية والتعليم. وعلى استحياء، يطلب النظام التنسيق مع الوزارة بوسائل هي من صميم عمل هذه الوزارة. وكأن الوزارة صارت جزءا من المركز تقوم له بعمل ميداني، وتقدم له نتائجه، والمركز يقوم بالتطوير. والعجيب أيضا، ان أهداف المركز تتعدى مديرية المناهج إلى مديرية الامتحانات؛ كما جاء في المادة4/هـ: “تطوير الاختبارات وامتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة وغيرها من التقييمات المستحدثة للطلبة”. ولا أدري ماذا بقي حقيقة للوزارة في حقلي التربية والتعليم، إذ أخذوا منها المناهج والتأليف والنشر والامتحانات؟

الأمر خطير جدا

إن تغيير المناهج بحجة تطويرها غير مرفوض من ناحية المبدأ؛ ولكن نرفض أمورا أخرى خطيرة جدا، إذا كان هذا التطوير يأتي عن طريق هذا المركز.

أولا، إن المناهج بكل ما لها وما عليها، هي فلسفة هذه الأمة، ومنهاجها للتقدم، وطريقها للوصول إلى الأهداف السامية والعملية المرجوة منها. ولذلك، فلا يجوز أن يقوم بهذا التغيير أو التطوير ثلة تكنوقراط، هبطوا بالمظلة على المناصب؛ وقطعا لا يمثلون الشعب الأردني بكل أطيافه. هذا الأمر الخطير هو للشعب جميعا، ووسائل اشراك الشعب بهذا التغيير والتطوير متاحة وغير مستحيلة. وأشير هنا إلى ما حصل سنة 1987 عندما عزمت وزارة التربية والتعليمم على الدخول في مرحلة جديدة من التطوير التربوي. وعملت لذلك ورشا ولجانا من داخل الوزارة وخارجها، وأشركت الجامعات الأردنية، بل ووزارات لها علاقة منها وزارتا الأوقاف والتخطيط. وبعد وصول اللجان والورشات إلى نتائج أعمالها، عقدت الوزارة مؤتمرا عاما بالرعاية الملكية على مدى ثلاثة أيام.

ثانيا، المناهج متصلة بحياة الأفراد والمجتمع، حاضره ومستقبله. فعن طريق المناهج نبني شخصية المواطن، الذي هو عماد قوة الوطن والمجتمع وتقدمه. وقانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 وتعديلاته يضع في الفصل الثاني “فلسفة التربية وأهدافها”. ولولا الإطالة لذكرتها لقيمتها وأهميتها، ولجعلها المقياس الذي به نقيس نجاح العمل التربوي أو التعليمي وفشله. وأشير في المادة 4/أ في هذا الفصل المعنونة “الأهداف العامة”: (استخدام اللغة العربية في التعبير عن الذات والاتصال مع الآخرين بيسر وسهولة). وفي الفصل الثالث الذي عنوانه “المراحل التعليمية”، نقرأ في المادة 10/ب/1 (أهداف المرحلة الأساسية)، ما يأتي: “يستعمل لغته العربية في تعزيز قدرته على الاتصال وتنمية ثقافته العلمية والأدبية ومراعاة مقومات البناء الصحيح للغة وتذوق فنونها”.

وفي الفصل الخامس (مجلس التربية والتعليم) نجد من مهامه، (المادة 24أ/1،2)

أ-يتخذ المجلس قرارات محددة بشأن الأمور التالية:

1-الخطوط العريضة لمناهج المراحل التعليمية.

2-مناهج المباحث الدراسية.

3-الكتب المدرسية المقررة وأدلتها، ولا يجوز تدريس أي كتاب أو تطبيق أي منهاج في أي مؤسسة تعليمية إلا بموافقة المجلس.

ومقارنة هذه الفقرات مع ما جاء في نظام المركز في المادتين 3، 4 نجد تداخل الصلاحيات، بل العدوان على صلاحيات وزارة التربية والتعليم، عدوانا سافرا مقصودا، جعل للمركزفوقية على الوزارة. علما بان الوزير جزء من السلطة التنفيذية التي لا تباشر عملها قبل الحصول على ثقة مجلس النواب، مع امكانية سؤال الوزير بل واستجوابه عن أي شأن في وزارته. بينما رئيس المركز وإدارته محصنون من أي مساءلة. أهذا مقبول؟

كيف يمكن لعدد من التكنوقراط أن يخططوا لشعب وحياته، وأعمال أفراده، وحياتهم، دون حسيب أو رقيب؟ إن نظام المركز لا يخضع أعمال المركز الأكاديمية لأي جهة مراقبة على أعماله التطويرية. ففي المادة 7 (مهام وصلاحيات المجلس الأعلى للمركز)، نقرأ :

ج-إقرار النتاجات العامة للمناهج المطورة والتقييم والتقويم.

د-إحالة المناهج المطورة لمجلس التربية والتعليم وإقرارها.

وواضح أن المطلوب من مجلس التربية والتعليم هو أن يضع ختم المختار لعشيرة التربية والتعليم على ما يقدمه مركز المناهج، وليس النظر فيها ومناقشتها أو تعديلها. وأنى له ذلك، وهو عادة ينظر فيما تقدمه مديريات الوزارة ولجانها.

ويزيد الطين بلة إذا نظرنا في أعضاء المجلس الأعلى لهذا المركز كما في المادة 6/أ: وزير التربية والتعليم، وزير التعليم العالي، رئيس مجمع اللغة العربية الأردني، مفتي عام المملكة، نقيب المعلمين، اثنان على الأقل من ذوي الخبرة …

ومنصب الوزيرين سياسي أولا وليس فنيا، فلا يفترض في أي منهما خبرة تدريس في التعليم العام لعدة سنوات؛ وكذلك الحال لرئيس مجمع اللغة العربية ومفتي المملكة. فقط نقيب المعلمين عنده خبرة بالتعليم. وفي حال تجميد النقابة فلا نقيب، ومن ثمَّ فلا حضور له. أما عضوان من ذوي الخبرة فلم تحدد هذه الخبرة نوعا وسنوات وما إلى ذلك. وهذا يجعل قرارت المجلس قرارات الحاكم بأمره لا تناقش. تقدم التوصيات من فئة قليلة من المستشارين الذين قد تعلم أسماؤهم، دون تحديد أي اوصاف أساسية لأشخاصهم، وليست الدكتوراه في التربية، وقد صارنيلها من اسهل ما يمكن؛ وأيضا، لا يخضعون في أفكارهم وقيمهم وسلوكهم ومؤهلاتهم لأي تمحيص من هيئة مختصة. وفي بلادنا حيث الشللية والمحسوبية تسودان، وكذلك المجاملات، وقاعدة حك لي أحك لك، لا يمكن الوثوق باختيارأحد من قبل “المجلس الأعلى للمركز”، وبخاصة أن خمسة من سبعة من أعضائه بحكم المنصب، واثنين فقط قد يكونان من أهل الخبرة. وواقعا، نعلم أن تأثير هذين العضوين عددا وفعلا أقل كثيرا من قوة أصحاب المناصب العليا. وبعد ذلك، حتى مع حسن الظن تريدون من أن نثق في مخرجات هذا المركز؟

ويزيد الطين بلة إذا ما قرأنا المادةالخامسة من نظام المركز. وأكتب نصها، ليدرك القارئ خطورتها.

المادة(5): يتولى المركز في سبيل تحقيق أهدافه المهام والصلاحيات التالية:

أ-التنسيق مع الوزارة لتحقيق أهدافه ومهامه وصلاحياته المنصوص عليها في هذا النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه.

برصد الإطار العام للمناهج والتقويم في المؤسسات التعليمية وتقييمه.

ج-مراجعة المناهج بشكل دوريبما في ذلك إجراءات التقييم والتقويم والكتب المدرسية والمواد التعليمية وأدلة المعلمين.

د-إعداد الطرق الفنية النايبة لتجريب ما يتم تطويره من كتب مدرسية وغيرها، بما لا يعطل العملية التعليمية.

 هـ-تحليل البيانات الخاصة بأداء الطلبة في التقويمات المختلفة، بما ينعكس على تطوير المناهج وإجراءات التقييم والتقويم.

و-تزويد الوزارة بقوائم الكتب والمراجع والدوريات التي يمكن الاستفادة منها لإثراء المكتبات المدرسية.

ز-النظر في الملاحظات المقدمة إلى إدارة المناهج من مديريات التربية والتعليم في الوزارة والمؤسسات التعليمية على الكتب المدرسية والمواد التعليمية وأدلة المعلمين.

وإذا أضفنا لهذه البنود الفقرة هـ من المادة (4)، ونصها: “تطوير الاختبارات وامتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة، وغيرها من التقييمات المستحدثة للطلبة”.

فماذا يبقى لوزراة التلابية والتعليم؟ إن للوزارة مسؤوليتين رئيستين: إدارية وفنية. وواضح أن المركز يسلب الوزارة مسؤوليتاه الفنية، بل ويجعلها خادمة له، أي أنه (سوبر) وزارة، يرتبط برئيس الوزراء، وهذا بحد ذاته ليس حماية للعملية التعليمية وملحقاتها. فرئيس الوزراء ليس مؤهلا تربويا ليحكم على قرارات مجلس المركز، وتقدم إليه للعلم فقط، ونظرا لكثرة مشاغله فقد يقرؤها كليا أو جزئيا وقد لا يقرأ. وفي هذا إهانة لوزارة التربية والتعليم ووزيرها، لأن عملها لوجستي لخدة اهاف المركز وسبل تحقيق أهدافه. ويحضرني قول جرير في إحدى نقائضه للفرزدق عندما قال

                            هذا ابن عمي في دمشق خليفة                   لو شئت ساقكم إلي قطينا

فكان تعليق الخليفة عبد الملك بن مروان على هذا البيت أن قال “ما زاد أن جعلني شرطيا عنده…”

إن الأمر الأخطر فهو أنّ مجموعة صغيرة من التكنوقراط مهما كانت مؤهلاتهم هم الذين يقودون سفينة الفكر والقيم والسلوك لأجيال الأمة. فهل هذا جائز؟

أما وقد أخرج المركز بعض نتاجاته، واطلعت منها على كتابي رياضيات لإحدى حفيداتي في الصف العاشر، فهنا نجد الانحراف المقصود. فمنذ عهد محمد علي باشا حاكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وإدخاله الكتب واتعليم الأوربي في بلده، وإصراره على التعريب الكامل (علما بأنه كان أميا ألباني الأصل)، كان الرموز الرياضية جميعا بالعربية. وفي الجبر الابتدائي كتبنا للمجاهيل: س، ص ، ع، وغيرها. وتعلمنا ذلك في مدارسنا في التعليم العام، بل وعلمته لطلاب الجامعة عندما عربت تدريسي منذ سنة 1979؛ وأكدته سورية أولا في تعليمها العام والعالي. فما الذي جعل المركزيجنح إلى استعمال الرموز الإنجليزية x, y, z، وأمثالها ويكتب المعادلات ليقرأها الطالب من الشمال إلى اليمين؛ بل ويستعمل الأرقام المغربية (تسمى خطأ الأرقام العربية) بدلا من الأرقام المشرقية (وتسمى خطأ الأرقام الهندية)؟ من أذن لهم بذلك؟ أترون خطورة اغتصاب عدد قليل من التكنوقراط مسؤولية اتخذا القرار إلى أين تؤدي؟ ألا يعلم هؤلاء، والمجلس الأعلى أنه قد صدر قانون حماية اللغة العربية رقم 35 لسنة 2105 نافذا منذ 15/9/2015 يؤكد تعريب التعليم بكل مستوياته وفي جميع المؤسسات؟ هذا البلد عجيب لا تعرف شماله ما فعلت يمينه! أهذا يجوز؟ كما أن مجمع اللغة العربية أكد في قرار أرسل للحكومة منذ سنوات وجوب مواصلة استعمال الأشكال المشرقية للأعداد. جرت محاولات عديدة للقفز عن اللغة العربية والرموز العربية والأرقام المشرقية يتشجيع خارجي وداخلي. ومنها مهاضرة أوائل السبعينات عندما مدير غير أردني للجمعية العلمية الملكية (ايلي بغدادي) طبع كتب العلوم باللغة الإنجليزية. وأجهض هذه المحاولة وزير التربية والتعليم آنذاك، المرحوم الدكتور اسحاق فرحان. ولم أطلع على كتب أخرى، ولكن ما رأيته هو نموذج للتشويه الذي أدخل على مناهجنا وكتبها.

ولكن المركز في نتاجاته يمضي أبعد من ذلك، فيدخل على منظومة القيم والأخلاق في بلادنا المستمدة من الإسلام، ليقضي عليها، ويتخذ من المنظومة الغربية منبعا يستمد منه القيم الجديدة، وبخاصة من سيداو التي هي منتوج غربي لشعوب غربية تبعد الدين (المسيحي) عن الحياة؛ وهي بعد ذلك قيم تتغير مع الزمن. فما كان غير مقبول قبل ثلاثين عاما يصير مقبولا الآن. وعلى سبيل المثل، كانت المثلية قبل بضع عقود غير مقبولة اجتماعيا وقانونيا في الغرب. ولكن المثلية الآن مقبولة اجتماعيا وقانونيا عندهم. وآخر ما قرأت أن هولندة لن تجعل مثلية ولية العهد سببا في منعها من تسلم العرش الملكي. وقبل خمسين عاما، كان الأطفال المقبولون قانونا هم المولودين من زواج صحيح قانونيا. ومنذ سنوات صار الأطفال المولودون من معاشرة المساكنة بدون زواج رسمي، لهم الحقوق نفسها كالأطفال من زواج رسمي. فهل سيقودنا المركز إلى قبول مثل هذه القيم والسلوك؟ ولاحظوا استعمال مصطح لا ينفر وهو المثلية، بدلا من المصطلح المعروف عندنا على مر العصور: اللواط والسحاق. ويذكرني هذا بأشياء كثيرة منفرة أو حرام غير اسمها إلى اسم حيادي أو ايجابي. مثل الربا إلى الفائدة، والمسكرات إلى المشروبات الروحية. ويعجبني قول الياس فرحات في إحدى رباعياته:

                            ما كان في ماضي الزمان محرما                    للناس في هذا الزمان مباح

                           صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم                        فتعذر التمييز والإصلاح

                            فالفتك فن، والخداع سياسة                           وغنى اللصوص براعة ونجاح

                            والعري ظرف، والفساد تمدن                        والكذب لطف، والرياء صلاح 

ونلاحظ أن بعض المفاهيم التي لايجد لها أصحابها مقابلا عربيا، ولا يطلبون من مجمع اللغة العربية وضع مقابل مناسب، فإنها يعربونها،  ربما استعجالا لكي تأخذ مكانها في الاستعمال بسرعة. ومن هذه المصطلحات التي تهمنا هنا كلمة الجندرة، من اللفظة الإنجليزية جندر GENDER. والكلمة في أصلها تدل على جنس الشيء. ففي الانجليزية توجد ثلاثة أجناس: مذكر ومؤنث وحيادي؛ على خلاف الللغة العربية التي فيها جنسان: مذكر ومؤنث. والجندرة مفهوم جديد جاءت به الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار في أوائل سبعينات القرن الماضي. وإن كان تعريف المصطلح بدقة غير متفق عليه، فإن المصطلح يتجاوز مفهوم الجنس SEX الذي يقصد به الذكورة والأنوثة البيولوجية. ويقصد به ما هو أبعد من ذلك؛ ، بينما يشير النوع “الجندر” إلى التقسيمات الموازية وغير المتكافئة اجتماعيًّا إلى الذكورة والأنوثة. ففي وثائق الأمم المتحدة الدولية:يوضح مفهوم “الجندر” الفروق بين الرجل والمرأة الحاصلة من الدور الاجتماعي المنوط بهما، والمنظور الثقافي والوظيفة لكلٍّ منهما، وهذه الفروق هي نِتاج لعوامل دِينيَّة وثقافيَّة، وسياسية واجتماعية، كما يدعون. وبسبب القوة المادية والمعنوية للنظم الغربية، وربما جبن كثير من الدول الأخرى أو عدم مبالاتها، وبخاصة الدول الإسلامية، فقد أدى مفهوم الجندرة إلى ميثاق آخر، ووكالة جديدة تعنى بها. ففي (تموز/يوليو) من عام 2010 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تكوين وكالة جديدة للأمم المتحدة للنساء، تدعى كيان الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين النساء، أو اختصاراً الأمم المتحدة للنساء (سيداو)، وقد كان قرار تكوين جسم منفصل للتعامل حصرياً مع نشاطات تتعلق بالجندر بعد سنوات من تكون الأمم المتحدة لوكالات متخصصة بقضايا نوعية، وبدأت وكالة الأمم المتحدة للنساء العمل في (كانون الثاني/يناير) من عام 2011، وقد كان قرار تكوين جسم منفصل للتعامل حصرياً مع نشاطات تتعلق بالجندر بعد سنوات من تكون الأمم المتحدة لوكالات متخصصة بقضايا نوعية، وبدأت وكالة الأمم المتحدة للنساء العمل في (كانون الثاني/يناير) من عام 2011.وانضمت أليها أغلب الدول ومنها الأردن والسعودية ومصر. إلا أن بولندة وتركيا انسحبتا منها.

وسيداو والجندرة تحتاج إلى مقالة منفصلة للتعريف بها. ولكن أكتفي بالفقرة التالية لتوضح أهم ما فيها:

جاء المصطلح في المادة الخامسة من سيداو، وطالبت هذه المادة بتغيير الأنماط الاجتماعيَّة والثقافية لدَور كلٍّ من الرجل والمرأة؛ بهدف تحقيق القضاء على التحيُّزات والعادات العُرفية. ولا بد في الحديث عن تعريفات مفهوم الجندرة من التفريق الدقيق بين الجنس والجندر “النوع الاجتماعي”؛ حيث يشير مصطلح “الجندرة” إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكل منهما تأثراً بالقيم السائدة، بينما يقتصر مصطلح “الجنس” (Sex) على الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، ويتسم بالجبرية كون الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة فروق ثابتة وأبدية، ويتمتع مصطلح “الجندر” بكونه مفهومًا ديناميًّا؛ إذ تتفاوت الأدوار التي يلعبها الرجال والنساء تفاوتاً كبيراً بين ثقافة وأخرى ومن جماعة اجتماعية إلى أخرى في إطار الثقافة نفسها، فالعرق، والطبقة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والعمر، عوامل تؤثر على ما يعتبر مناسباً للنساء من أعمال. جاء مصطلح الجندر في المادة الخامسة من سيداو، وطالبت هذه المادة بتغيير الأنماط الاجتماعيَّة والثقافية لدَور كلٍّ من الرجل والمرأة؛ بهدف تحقيق القضاء على التحيُّزات والعادات العُرفية. ولذا فإن طرح مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس يهدف إلى التأكيد على أن جميع ما يفعله الرجـال والنسـاء وكل ما هو متوقع منـهم، فيمـا عـدا وظائفهم الجسدية المتمايـزة جنسيـاً، يمكن أن يتغير بمرور الزمن وتبعاً للعوامل الاجتماعية والثقافية المتنوعة. ويعد الجندر بناء على ذلك اجتيازًا لآخر الحواجز على طريق تحقيق العدالة بين الرجال والنساء؛ لأنه يشمل التحول في المواقف والممارسات في كافة المجتمعات.

 هذه هي الجندرة التي يسعى لتطبيقها في المناهج، المركز الوطني للتطوير التربوي، وبخاصة في الكتب المتعلقة بمادة الاجتماع. أي أن الفروق البيولوجية بالذكر والأنثى لا علاقة لها بالفروق الأخرى التي تفرضها المجتمعات. ووليس الذكر كالأنثى الا بيولوجيا؛ ثم يأتي المجتمع بثقافته وموروثاته وأعرافه ليحفر فجوة عميقة لا لزوم لها بين الذكر والأنثى. وما هو المرجع العلمي الذي استندوا اليه؟ هل هو كتاب وحي منزل، أم اتفاق عالمي لجميع أهل الرأي في كل العصور؟ من الواضح أن الجواب لا هذا ولا ذاك. وأن قرار انضمام دولة ما للاتفاقية وتطبيقها هو قرار سياسيي، يتخذه من بيده السلطة ويفرضه لا أكثر. وقد يشفع للغرب وكثير من الأنظمة التي تتخذ من الغرب وقيمه ونمط حياته ومدنيته وحضارته قدوة لها أن تفعل ذلك. لكن ما السبب الذي يجعل اصحاب الرأي والسلطة في بلاد المسلمين أن يفعلوا ذلك؟ فكثير مما في سيداو هو مخالف للإسلام عقيدة ومنهاج حياة.

ويستهزئ الدكتور ذوقان عبيدات، وهو من المستشارين في موضوع المناهج، بمخالفيه. ففي مقالة ةمنشورة في الغد يوم الخميس 14/10/2021 بعنوان “التعليم والنوع الاجتماعي” يكتب: “الفكر المعرض (أي للجندرة) هو الفكر التقليدي المحافظ المستند إلى مرجعية دينية وأخلاقية واجتماعية. فمن وجهة نظر هذا الفكر إن الجندر مخالف لديننا وشريعتنا وأخلاقنا”. وواضح أن هذه المرجعية الدينية (وهي الإسلام دين الدولة الرسمي) لا تعجبه. وليت الأمر وقف عند رأي ورأي مخالف. فإن مقالة د. عبيدات ترهبنا بما يدعي، ويكتب: ” تشير وثائق وزارة التربية إلى أن مشروع الجندر هو تجسيد لالتزام الحكومة بما وقعته من مواثيق دولية. إذن المشروع قانوني وليس خارجا عن أي شيء: لا أخلاقا ولا قيما. (قوانين البلد تبيح شرب الخمر، والربا فكلاهما قانوني، ولا يعني ذلك أنهما مقبولان شرعا أو مجتمعا). . . وهوتجسيد لخطط الوزارة الاستراتيجية للتعليم 2018-2022. إذن نحن في وضع خطير، أقرته مجموعة متنوعة من أصحاب القرار في وزارة التربية والتعليم، دون أن تعرضه للمجتمع ليقول فيه رأيه، ودون نقاشات معمقة تبين ما له وما عليه. وكما كتب المهلب بن أبي صفرة للحجاج عندما أمره بأمر وجد أن في إنفاذه هلاكا لمصلحة المسلمين، فكتب: “إن من العجز أن يكون الرأي بيد من يملكه لا بيد من يدركه”.

ولا أريد ان أطيل المقالة. لكني اسأل هؤلاء الجندريين، ما هو النقص أو الخطأ في نظرة الإسلام للمراة، بعيدا عما يطبقه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؟

إن أخشى ما أخشاه هو أن الجندرة والنوع الاجتماعي وسيداو جزء من خطة عالمية وضعتها مجموعة من شياطين الإنس، غايتهم تحويل البشرية إلى مخلوقات أقل من البشر وأعلى قليلا من الحيوان، يغيرون في النفوس والعقول والقيم والأهداف. وأشير إلى مقالة للأستاذة ندى حطيط نشرتها جريدة القدس العربييوم 15/10/2012 بعنوان “إغواء الأبرياء: أطفالنا في مواجهة تسونامي خطير”. وتشير إلى ما “أعلنت عنه (دي سي كوميك)، الشركة المالكة لحقوق شخصية القصص المصورة “سوبرمان”، أن سلسلتها الجديدة (سوبرمان: ابن كال-إل)، التي تنسج حكاياها حول الجيل الثاني من النسل الجبّار، ستذهب قريبا إلى الكشف عن أن جوناثان كينت – وهو ابن الشخصيتين الكلاسيكيتين في عالم الكومكس، كلارك كينت ولويس لين- على علاقة حميمة بصديق ذكر. على أن تكون تلك العلاقة الجنسية المثلية واحدة من المساحات التي سيحاول فيها جوناثان أن يثبت لنفسه ولمتابعيه بأنه مختلف عن والده الشهير . . . ولا يخشى اتخاذ مواقف سياسية من الأحداث. وسيضاف التحاقه بما يسمى مجتمع الميم: المثليات والمثلييين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسية.”

“ومن المعروف أن السلسلة المطبوعة تتحول تاليا إلى مادة خام لإطلاق مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية ومطبوعات، إضافة إلى مئات التطبيقات التجارية الأخرى مثل ألعاب الفيديو والشنط المدرسية والدمى والملابس وغيرها . . . وبحكم العولمة الثقافية المتصاعدة، غرف أطفال العالم الشره لاستهلاك المنتجات الثقافية الآتية من الغرب”.

وكما يقال “إن أعظم النار من أصغر الشرر”؛ و”درهم وقاية خير من قنطار علاج”؛ لذلك، إن لم ننتبه لخطر الجندرة والتنوع الاجتماعي وسيداو وأمثالها سنجد مجتمعنا بعد عدة سنوات مجتمعا خواء من القيم، مجتمع بهائم ينشدون المتعة بأي ثمن. يتفكك المجتمع وتسود أخلاق الغابة من انتهازية وأنانية ومغامرات طائشة. إن انحرافا قدره درجة(هندسية) واحدة عند ملتقى ضلعي الزاوية سيكبر ليصير آلاف الكيلومترات بعد قطع مسافات كثيرة، وعندها لا ينفع الندم ولا تنفع حلول فزعة ترقيعية. وكما يقال “يتسع الخرق على الراقع”.

إنني أدعو الحكومة وبخاصة وزارة التربية والتعليم ونقابة المعلمين والقيادات التربوية والفكرية والغيارى إلى المطالبة بقوة لإلغاء هذا المركز الذي سيكون أسوأ من فيروس كوفيد-19. وأظن أن اسمه الحقيقي هو (المركز الأجنبي لتخريب المناهج).

وأخيرا، ليس لي ثقة بقيادة هذا المركز،  فلا د. عدنان بدران ولا د. عزمي محافظة تربويون، ولا خبرة لهم في التعليم العام، مع احترامي الشديد لشخوصهم. وهذا يعني أنه لا توجد ضوابط لما يفعله التكنوقراط في المناهج، لا من القيادة، ولا من المجلس الأعلى كما ذكرت ذلك في فقرات سابقة، ولا من مجلس التربية والتعليم إذ أن عمله الموافقة، ولا من المعلمين، وأولياء الطلبة ولا من الناس جميعا النخب منهم والعامة. فهل هذا يجوز؟

إن العمل المطلوب هو حركة شعبية لإلغاء هذا المركز، وبخاصة أن في وجوده شبهة دستورية، وأن عمله تخريب وليس تطويرا. بل أسميه بكل ثقة: “المركز الأجنبي لتخريب المناهج”.

    أ. د. عبد المجيد نصير

  أستاذ الشرف-جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

   مجمع اللغة العربية الأردني

Related posts

ماذا يحدث لجسمك عند تناول خليط الحليب بالعسل

daw daw

وزارة التنمية توضح موعد بدأ توزيع مكرمة حلالة الملك خلال شهر رمضان المبارك

daw daw

الملكة رانيا العبدالله فخر المرأة العربية عطاء ليس له حدود ومنجزات تسابق الزمن

الدكتور هيثم احمد المعابرة