
وكالة تليسكوب الإخبارية مكتب العقبة متابعة الاعلامي موسى الدردساوي
وسط حرارة الجنوب وتحت سماءٍ زرقاء تلامس مياه البحر الأحمر، ينبثق من قلب مدينة العقبة حلم تعليميّ رقميّ لا يشبه الأحلام التقليدية التي اعتدناها في الفصول الدراسية. هنا، لا تبدأ الحكاية بجرس المدرسة ولا تنتهي بصف طبشوريّ. في مدارس العقبة الرقمية، تبدأ القصة من الكتاب وتنتهي إلى الخيال.
كان كريم، طفلًا في الحادية عشرة، يتردد إلى المدرسة كل صباح بابتسامة لا تخبو، رغم أنه لم يكن يحمل حقيبة مدرسية ثقيلة. “أنا لا أحتاج إلى كتب كثيرة، كل شيء هنا مختلف”، قالها ذات يوم وهو يجرّ خلفه حقيبة كتب خفيفة، ويمسك بكتابه، كأنه نافذةٌ تطل على عالم آخر.
مدارس العقبة الرقمية لم تكن مجرّد مبنى حديث بواجهات زجاجية وأنظمة تكييف مركزية. بل كانت تحولًا في فلسفة التعليم نفسها. منذ تأسيسها، انطلقت المدرسة في رحلةٍ جريئة نحو مستقبل لا يمكن التنبؤ به بسهولة. تتبنى نموذج “المدرسة الذكية” ليس كشعار بل كقناعة. في تلك القاعات، لا يجلس المعلم على منصة مرتفعة ولا تُلقى المحاضرات من فوق، بل تُدار الحصص كمساحاتٍ للحوار والاستكشاف، حيث يقف الطالب والمعلم على قدم المساواة في تجربة تعليمية تفاعلية.
وراء هذا التحول يقف رجلٌ لا يؤمن بالحلول المؤقتة، بل بالرؤى بعيدة المدى. الدكتور جمال بكيرات، التربوي الذي اختار أن يُخاطب المستقبل بلغته الخاصة، قاد مسيرة التحول الرقمي في المدارس بإصرار المؤمن بأن التعليم يمكنه أن يكون أكثر عدلًا، وأكثر إلهامًا.
بكيرات، الذي يحمل بين دفاتره حكاياتٍ من مدارس تقليدية ومنتدياتٍ تربوية محلية، أعاد تخيّل التعليم في منطقةٍ لا تزال تبحث عن فرصٍ عادلة لأطفالها.
التحول لم يكن تكنولوجيا فحسب، بل كان إنسانيًا أيضًا. أرادت المدارس أن تزرع بذور الحلم في عقول الطلاب، لكنها لم تنسَ أن تلتفت إلى المجتمع. عبر توفير 110 فرصة عمل هذا العام، فتحت الأبواب أمام العشرات من المعلمين والإداريين، كثيرون منهم وجدوا في هذه المدرسة فرصة حياة لا فرصة عمل فقط. إحدى المعلمات الشابات قالت: “حين دخلت إلى هذه المدرسة لأول مرة، شعرت أنني أدخل مختبرًا للأمل”.
الشراكات التي عقدتها مدارس العقبة الرقمية مع مؤسسات مثل شركة “الريبوتك” وأكاديمية الملكة رانيا، لم تكن مجرد اتفاقيات تقنية أو تدريبية، بل كانت بمثابة الجسور التي ربطت العقبة بمراكز الابتكار العالمية. في أحد الصفوف، كان الطلاب يتعلمون مفاهيم الفيزياء من خلال تقنية الواقع المعزز، بينما كانت طالبة في الصف التاسع تُبرمج روبوتًا صغيرًا ليحلّ مسألة رياضية.
لكن، وسط هذا التقدم، يبقى التحدي الأهم هو الحفاظ على الإنسان في قلب هذا المشهد الرقمي. في ركن من المدرسة، جلس كريم يشرح لصديقه آلية عمل الذكاء الاصطناعي، لكنه لم ينسَ أن يسأله: “كيف تشعر اليوم؟”. ربما هذه هي المعادلة الأصدق في التعليم الجديد: أن تبني عقلًا لا يتوقف عن السؤال، وقلبًا لا يتوقف عن الشعور.
مدارس العقبة الرقمية ليست فقط مشروعًا تعليميًا، بل تجربة اجتماعية، ورؤية تُحاول أن تجيب على السؤال الصعب: كيف نُعلّم أبناءنا في زمنٍ تتغير فيه المعلومة أسرع من أي وقت مضى؟ قد لا تكون العقبة وحدها الإجابة، لكنها بالتأكيد أصبحت بداية حقيقية لسؤالٍ أكثر عمقًا… وسؤالٍ أكثر أملًا.