Ad image

بقيادة ملكية مستنيرة… كرامة الإنسان جوهر الاستقلال

admT2
5 Min Read

بقلم: الإعلامي موسى الدردساوي

ليس كل استقلال حقيقيًا، إلا إذا صار الإنسان محورَه وغايتَه. ففي أوطان كثيرة، يُرفع العلم وتُطلق الخُطب وتُروى البطولات، لكن يظل المواطن العادي، لا سيما الأكثر هشاشة، مجرد هامش في سردية الدولة. أما في الأردن، فإن عيد الاستقلال لا يُحتفل به كذكرى وطنية فقط، بل يُستعاد كعهد مستمر لتكريس قيم الكرامة والمساواة والعدالة. وهنا، يغدو الاستقلال مشروعًا حيًا، يتجدد ما دامت هناك إرادة سياسية تضع الإنسان أولًا، ومجتمعًا لا يكتفي بالمظاهر بل يسعى لجوهر التحرر: أن يشعر كل فرد بأنه شريك في وطنه، لا عالة عليه.

من هذا المنظور، لا تبدو قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة شأناً قطاعيًا أو هامشيًا، بل مرآة دقيقة لمدى تحضّر الدولة ونضجها الأخلاقي والسياسي. إذ لا يمكن لوطن أن يدّعي اكتمال استقلاله بينما يُقصي جزءًا من أبنائه، أو يُبقيهم أسرى للشفقة بدل أن يفتح أمامهم أبواب الفرص.

وفي عيد الاستقلال هذا العام، نستذكر الماضي بفخر، وننظر إلى المستقبل بثقة، مستلهمين من القيادة الهاشمية إرادة لا تلين، وعزيمة لا تعرف المستحيل، لنواصل السير في درب الاستقلال الحقيقي: استقلال الإنسان وكرامته وحقه في العيش الكريم.

فإن التقدم الذي أحرزته المملكة في مجال تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لرؤية ملكية مستنيرة لطالما آمنت بأن كرامة الوطن لا تكتمل إلا بصيانة كرامة أبنائه جميعًا، دون استثناء. وقد كان جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في مقدمة من تبنّوا هذا النهج، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن تحقيق التنمية الشاملة يعني بالضرورة شمول الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم ذوو الإعاقة، في عملية البناء الوطني.

وتجلّت هذه الرؤية الملكية في سياسات واضحة ومبادرات مؤسسية، كان أبرزها إطلاق الاستراتيجية كان أبرزها الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة، التي تبنت مبدأ الحقوق والشراكة بدلاً من الشفقة والإقصاء. والتي شكلت خارطة طريق واضحة المعالم. كما دعم جلالة الملك تعديل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2017، ليكون متوائمًا مع الاتفاقية الدولية، ويعزز من التحول من النهج الطبي إلى النهج الحقوقي الشامل.

أما على أرض الواقع، فقد ترجم الديوان الملكي توجيهات جلالة الملك إلى مبادرات نوعية، أبرزها دعم إنشاء مراكز تأهيل متخصصة، وتحديث البنية التحتية في المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة لتكون مهيأة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، ليس كمستفيدين فحسب، بل كفاعلين ومشاركين في التنمية.

وفي امتداد طبيعي لهذا النهج، حمل ولي العهد، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الراية ذاتها بروح شابة ومسؤولية ناضجة، وركز في خطابه وعمله على تعزيز مفهوم “التمكين لا الرعاية”وخلال زياراته الميدانية، لطالما حرص سموه على لقاء ممثلي منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، والاستماع إلى التحديات اليومية التي يواجهونها، ليس من باب المجاملة، بل من موقع الشريك الساعي لتذليل العقبات وخلق بيئة شاملة.

ففي العام 2021، أطلق سموه مبادرة لتوظيف التكنولوجيا في دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال برامج لتعليم البرمجة واستخدام الذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع شركات كبرى، ما يعكس فهمًا عميقًا لضرورة الانتقال من التكييف إلى التمكين في عصر الرقمنة، حيث لا يكون الدمج ترفًا بل ضرورة وطنية.

وهكذا، يتكامل البعد التكنولوجي مع البعد الإنساني في رؤية وطنٍ لا يكتفي بتوفير الأدوات، بل يسعى لتحرير الطاقات. من هنا، يغدو الحديث عن الاستقلال أكثر من مجرد سرد تاريخي، بل اختبارًا يوميًا لقيم العدالة والكرامة والمساواة.

وفي عيد الاستقلال، لا نكتفي بترديد الأناشيد ورفع الرايات، بل نجدد التزامنا بما هو أعمق: أن نبني وطنًا يليق بجميع أبنائه… وطنًا يكون استقلاله الحقيقي مرآةً لكرامة الإنسان. ومع هذا الالتزام العميق، تتجاوز مسؤولية تحقيق الاستقلال الحقيقي حدود الدولة لتشمل كل فرد ومؤسسة في مجتمعنا.

إن مسؤولية صون استقلال الإنسان لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي تكليف جماعي يشمل كل مواطن ومؤسسة، كل صاحب قرار وكل صاحب كلمة. فلنحوّل عيد الاستقلال إلى مناسبة لمراجعة الذات الوطنية، وطرح السؤال الأهم: ماذا قدمنا كأفراد ومجتمع لنُعلي من كرامة الإنسان في وطنه؟ آن الأوان لأن نُخرج قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة من دائرة التعاطف الموسمي، ونضعها في صُلب السياسات والممارسات اليومية. فهؤلاء ليسوا “فئة خاصة”، بل هم جزء أصيل من النسيج الأردني، وإذا أردنا لوطننا أن يكون حرًا بحق، فلن يكون كذلك إلا حين يشعر كل إنسان فيه بأنه مرئي، مسموع، ومُمَكَّن.

Share This Article