حفلات التخرج خارج السيطرة… ووزارة التربية خارج التغطية!

admT2
6 Min Read

بقلم: موسى الدردساوي

في قاعة فاخرة تضيئها أضواء ملونة، وتصطف الطاولات المزينة بأغطية حريرية، تصعد طفلة بالكاد تجاوزت الخامسة من عمرها إلى المسرح، ترتدي فستاناً أشبه بفساتين الأعراس، وتلوّح بشهادة إنهاء مرحلة “التمهيدي” وسط تصفيق الحضور وعدسات الهواتف المحمولة. خلف هذا المشهد المبهج ظاهرياً، تختبئ تساؤلات كثيرة حول التحول العميق الذي شهدته حفلات التخرج المدرسية في السنوات الأخيرة.

- Advertisement -

لم يكن “التخرج” يوماً احتفالاً بقدر ما كان لحظة عبور. لحظة يتوقف فيها الزمن قليلاً ليلتقط الإنسان أنفاسه، يتأمل ما مضى، ويشدّ الرحيل نحو ما هو آتٍ. لكن شيئاً ما تغيّر. لم تعد هذه اللحظة تعني الوقوف على مفترق الطريق، بل تحولت إلى عرض مسرحي باهظ، فيه من الزينة أكثر مما فيه من المعنى، ومن التصفيق أكثر مما فيه من الصمت والتأمل.

في السنوات الأخيرة، لم تعد حفلات التخرج حكراً على طلبة الثانوية العامة. بل باتت تمتد كعدوى احتفالية لتشمل الأطفال في رياض الأطفال، وتلاميذ المراحل الابتدائية، وأحياناً حتى من ينتقلون من صف إلى صف. مناسبات تنمو ككرة ثلج، يتضخم حجمها كل عام، مدفوعة برغبة جماعية في الفرح، أو ربما في تقليد لا يعرف أحد كيف بدأ ولا متى سيتوقف. قاعات فنادق خمس نجوم، فساتين سهرة، تصوير احترافي، ومصاريف تتجاوز في أحيان كثيرة قدرة الأسرة العادية.

في البداية، يبدو كل شيء مبرراً. “دعهم يفرحون”، يقول البعض. “هم أطفال، وهذه لحظات لا تعوّض”. يصعب الاعتراض على هذه العاطفة الصادقة، بل ويكاد من ينتقدها يُتهم بالجفاء. لكن ما إن تقترب قليلاً من المشهد، وتسمع أصوات الأهالي، حتى تدرك أن شيئاً في العمق ليس على ما يرام. ثمة أمّ تسحب من مدخراتها لتدفع حصة ابنها في الحفل، وأب يستدين لشراء بدلة تليق بابنه كي لا يشعر بالنقص بين زملائه.

وفي الجانب الاخر ثمة أطفال آخرون، يُستبعدون بصمت، ويكتفون بالمشاهدة من بعيد، لأن ذويهم لا يستطيعون دفع تلك التكاليف، أو لأنهم تعلموا مبكراً أن بعض الأفراح لا تشمل الجميع.

المشكلة لا تكمن فقط في الكلفة المالية، بل في الرسائل الخفية التي تبثها هذه الطقوس لأطفال لم يبلغوا بعد نضج التمييز بين الجوهر والسطح. حين يُكافأ الطفل على اجتيازه مرحلة دراسية بسيطة بحفل يشبه العرس، فبماذا نكافئه على اجتياز الجامعة؟ وحين تُربط قيمة النجاح بالصور والفيديوهات والموسيقى الصاخبة، فماذا يتبقى للنجاح نفسه من معنى؟

وفي خضم هذه الطقوس التي تتضخم كل عام، لا يمكن تجاهل سؤال ملحّ يتصاعد من وجع الأهالي: أين وزارة التربية والتعليم من هذه الظاهرة؟ ما دورها الرقابي أمام ما يشبه سوقاً جديدة داخل المدارس الخاصة، تُباع فيها لحظة التخرج بأسعار متفاوتة وتُفرض أحياناً على أولياء الأمور كأنها بند إلزامي ضمن “خدمات التعليم”؟ بأي حق تُجبر الأسر على دفع مبالغ طائلة لحفلات لا تدخل في صلب العملية التعليمية؟ وهل تتحول المدرسة شيئاً فشيئاً إلى مؤسسة ربحية تحت عباءة التربية، تفرض على الأهالي ما لا يقدرون عليه ثم تسميه “فرحة التخرج”؟

الصمت الرسمي عن هذه الممارسات يترك المجال مفتوحاً أمام المدارس لتوسيع هامش الاستغلال، ولتحويل ما يجب أن يكون خياراً شخصياً إلى عبء جماعي مفروض. وربما آن الأوان لمراجعة هذا الواقع، ليس فقط من باب التنظيم الإداري، بل من منطلق أخلاقي وتربوي أعمق: هل من العدل أن يُرهن الفرح بالمقدرة المالية؟ وهل ينسجم هذا المشهد مع قيم العدالة والمساواة التي يُفترض أن تتربى عليها الأجيال داخل جدران المدرسة؟

من المؤسف أن تتحول لحظة التخرج من فرصة للامتنان إلى مناسبة للاستعراض، ومن مساحة للتعبير الصادق عن الفرح إلى عبء مادي ونفسي يدفع ثمنه الأهالي، ويتعلم منه الأطفال أن الإنجاز لا يُقاس بالجهد، بل بما يُنفق عليه. ومما يزيد الطين بلّة، أن كثيراً من المدارس الخاصة، التي يفترض أن تحمل مسؤولية تربوية، باتت جزءاً من هذه الدوامة، بل المحرك الرئيسي لها، حين تفرض رسوماً باهظة على حفلات ليست ضرورية أصلاً، وتسوّقها كجزء من “تجربة تعليمية متكاملة”، بينما هي، في جوهرها، أقرب إلى تسويق بضاعة مكررة.

في وسط هذا المشهد، تُنسى قيم كثيرة. تُنسى البساطة، والفرح النظيف، والاحتفال بالحياة دون مبالغة. يُنسى الأطفال الذين لا يستطيعون، ويُنسى معنى التخرج كعتبة نحو المستقبل لا كعرض مسرحي للحظة زائلة.

ومن المؤكد انه ليست المشكلة في الفرح، ولا الحراج في الاحتفال. لكن حين يصبح الفرح مناسبة لتكريس الفوارق، والاحتفال ساحة للضغط الاجتماعي، يصبح السؤال ضرورياً: هل نحتفل لهؤلاء الأطفال فعلاً؟ ومن اجلهم أنفسهم أم لعيون “الستوري” و”اللايكات”؟ ولأي عالم نؤهلهم حين نربط الفرح بالاستهلاك، والنجاح بالترف، والانتماء بالمظاهر؟

ما يحتاجه أبناؤنا ليس قاعة فاخرة ولا دعوة مطبوعة، بل شعور صادق بأنهم أنجزوا شيئاً يستحق الفخر. كلمة دافئة، هدية رمزية، وربما رسالة مكتوبة بخط اليد تروي لهم كم نحن فخورون، وكم نتطلع إلى ما سيكونونه غداً. لأن أجمل الاحتفالات، في النهاية، تلك التي تترك أثراً في الروح، لا في الصور.

Share This Article