وكالة_تليسكوب_الاخبارية
كان السؤال يتدحرج في صدري كحصاة ثقيلة.. *ماذا جرى لنا.. هل تغيّرت جيناتنا؟!.. أم أننا غيرنا جلدنا بأيدينا*.. وتركنا أرواحنا تتيبس كما ييبس الغصن إذا انقطع عنه الماء؟!..
كنا نرى اليتيم فنراعي انكساره.. قبل أن نرى حاجته.. نضع أيدينا على كتفه.. كأننا نعيد إليه ما فقده لا ما يفتقده.. وكنا نعامله كأنه ابننا الضائع.. حتى وإن كان أغنى منا وأعلى نسباً.. لأن فقد الأب لا يعوّض .. ولأن اليتم لا يهدأ إلا حين يتزوج .. ويصير أباً يملأ نقصه من جديد .. أما اليتيمة .. فكنا نُنزِل الدمع من أجل كلمتها .. قبل أن تخرج من فمها.. فما الذي جرى حتى صرنا نتلذذ بإحراجها؟!..
وكنا في موقف باصات صويلح السلط .. نبدو كأهل مدينةٍ واحدة .. شباب وشيب يقفون على الرصيف كحراس أخلاق .. لا يصعد أحد قبل الإناث .. كان الواحد منا يقول في سره .. أنا أستطيع أن أرجع بباص آخر حتى لو في وقت متأخر .. أستطيع أن أستدين أجرة تكسي .. أستطيع أن أمشي نصف الطريق .. واستطيع ان أصعد ظهر بكب .. لكني لا أقبل أن تُحرج فتاةٌ أمام عيني .. فكرامة الأنثى كانت ميزان رجولتنا .. وكانت المسافة التي نقيس بها قيمة أنفسنا ..
وكنا إذا مرت الجارة الكبيرة.. أغمضنا أعيننا احتراماً لا خوفاً .. وإذا مرت الشابة .. غضضنا الطرف .. لأن بيوتنا ربتنا على أن النظر سهم .. وأن الحياء درع .. وإن حملت الجارة أكياسها .. تسابقنا إليها كأنا نمسك بأطراف دعائها .. قبل أن يسقط في الطريق .. ذلك كان زمننا ليس البعيد الذي لم نكن نحسبه زمناً .. بل فطرة..
اليوم للأسف .. صار بعضنا يتلذذ بإحراج اليتيم .. كأنه ينتقم من ضعفه لا من قسوته .. وصارت اليتيمة تُزاحَم في السوق .. وفي مواقف الباصات .. حتى كأننا نعيش في غابة .. وصرنا نرى الأنثى تقف تحت الشمس .. بينما يتقدم عليها مَن كان بالأمس يخجل أن يرفع صوته أمام أمه .. ونسينا أن الله يسخّر لبناتنا وزوجاتنا مَن يعاملهن كما نعامل بنات الناس..
نسينا أن الطريق الذي نضيّقه اليوم على الضعفاء .. سيُضيَّق غداً على من نحبهم .. وأن الرفق ليس خلقاً نمارسه حين نشتهي .. بل هو باب يفتحه الله لمن رحم عباده .. فأين كانت قلوبنا حين انطفأت؟! .. وأي ريحٍ عاتيةٍ اقتلعت تلك المروءة .. التي كنا نباهي بها الدنيا؟!..
كل ما نحتاجه.. أن ننظر في المرآة مرة واحدة فقط.. لنعرف أننا لم نفقد أخلاقنا فجأة.. بل خسرناها خطوة خطوة.. حتى وصلنا إلى زمنٍ يزدحم فيه الأحياء.. لكن الأخلاق فيه تموت واقفة.. كما تموت الشجرة حين يجف جذعها.. ولا يبقى فيها إلا شكلها.. دون روح.. ودون ظل..
محمود الدباس – أبو الليث..


