من فناء المدرسة إلى ذاكرة المدينة.… المدير ياسر فائق الصوافطة يكتب فصلًا من مجد المفرق التربوي.…

dawoud
11 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية – “بقلم المؤرخ والكاتب العربي والناقد الفلسفي أ.د ياسر طالب الخزاعله.

في المفرق، تلك المدينة التي تتنفس التاريخ، وتُغنّيها الريح بين شوارعها القديمة وحاراتها التي حفظت أصوات الأطفال وضحكات المعلمين، تمتد ذاكرة لا تشيخ. هناك، في المكان الذي يعانق سكة الحديد العتيقة، وتشم فيه رائحة الطباشير القديمة الممزوجة بندى الصباح، تقف مدرسة “أبو بكر الأساسية للبنين” أو كما كنا نسميها في ثمانينيات القرن الماضي مدرسة ” المشروع”، كأنها صفحة من كتاب العمر، تُقلبها الأجيال جيلاً بعد جيل، كلما أرادت أن تتذكر معنى التربية، وجلال العلم، وقداسة الرسالة.

- Advertisement -

وفي قلب هذه المدرسة، ينبض رجل لا يشبه سواه؛ رجل آمن أن التعليم ليس وظيفة بل قدر، وأن المدرسة ليست بناية من حجر بل روح تُنبت الحلم في العقول. إنه الأستاذ ياسر فائق الصوافطة، “أبو محمد”، ذاك القائد التربوي الذي يزرع القيم كما يزرع الفلاح سنابل القمح في سهول المفرق، فيُثمر بها أجيالًا من الحلم والمعرفة والرجولة.

من يراه وهو يجول في ساحة المدرسة في الصباح الباكر، بوجهٍ مشرقٍ كضوء الفجر، يدرك أن هذا الرجل يحمل في قلبه رسالة أعمق من مجرد إدارة مدرسة. يقف بين طلابه كأبٍ رحيم، يسمع، ويبتسم، ويوجّه دون أن يرفع صوته، فيغدو الصباح في مدرسته لوحةً من النظام والدفء والاحترام. إن خطواته بين الغرف الصفية تشبه خطى المعلمين الأوائل الذين حملوا على أكتافهم مشعل التنوير في المفرق منذ عقود، حين كان التعليم حلمًا يتشكل من الطين والحبر والإصرار.

يقول من يعرفه إن “أبو محمد” لا ينام قبل أن يطمئن أن المدرسة بخير، وأن الطالب المرهق وجد من يبتسم له، وأن المعلم الذي أنهكه الدرس وجد كلمة تقدير تُعيد له حماسه. إدارته ليست أوراقًا وتقارير، بل نبض يومي يسري بين الجدران، يشبه نهرًا صغيرًا يروي كل غصن في هذه الحديقة التربوية.

ولأن المفرق كانت وما زالت مدينة الوفاء، فإنها لم تنسَ أبناءها الذين حملوا اسمها عاليًا. والأستاذ ياسر الصوافطة الطوباسي الأصيل إبن المفرق الذي نفخر به من عواتق قلوبنا ، واحد من أولئك الذين كتبوا اسمها بحروفٍ من عطاءٍ وصبرٍ وشرف. هو ليس فقط مدير مدرسة، بل حامل راية، ومُلهم لجيلٍ كامل من المعلمين الذين تعلموا منه أن القيادة الحقيقية لا تكون بالأوامر، بل بالقدوة والرحمة.

حين يتحدث إلى طلابه، تشعر أن كلماته تنبع من قلبٍ يعرف معنى التربية. يحدّثهم عن المفرق القديمة، عن أهلها الطيبين، عن السوق، وعن رائحة التراب بعد المطر، ثم يعود ليحدثهم عن المستقبل، عن التكنولوجيا والعلم والابتكار. يجمع بين الأصالة والمعاصرة، كمن يريد أن يصنع من أبنائه جسرًا يربط الماضي المجيد بالغد المشرق.

لقد استطاع ونجح في أن يحوّل مدرسته إلى مؤسسة عالمية أنموذج يحتذى في الإبداع التربوي، فلا تقتصر الحياة فيها على الدروس اليومية، بل تمتد إلى أنشطة ثقافية وكشفية وفنية تُطلق العنان لعقول الطلاب وأرواحهم. ما إن تدخل فناء المدرسة حتى تشعر أنك في بيتٍ كبير ينبض بالحياة: لوحات رسم صنعها الصغار، مجلات حائط تُسطّرها أنامل طلابٍ حلموا بأن يكونوا صحفيين، زوايا خضراء زُرعت بأيديهم، ومشاريع علمية صغيرة تنبئ عن عقولٍ كبيرة قادمة.

وليس غريبًا أن يُشجع أبو محمد كل مبادرة تصدر من طالبٍ أو معلم. ففي فلسفته التربوية، لا مكان للتلقين، بل للتفكير، ولا للجمود، بل للإبداع. يؤمن أن المدرسة الناجحة هي التي تُخرّج إنسانًا قادرًا على السؤال، على النقد، على أن يحب وطنه بعقلٍ مفتوحٍ وقلبٍ صادق. ولذا، تجد طلابه مفعمين بالثقة، يتحدثون دون خوف، يعبرون عن آرائهم، ويشعرون أن لهم صوتًا يُسمع.

وحين تسير في أروقة “أبو بكر الأساسية”، تجد أثره في كل زاوية: في النظافة، في النظام، في الجداريات التي تُعلّق عليها صور المبدعين من أبناء المدرسة، في مكتبةٍ صغيرةٍ تُشبه القلب النابض بالكتب، وفي حديقةٍ أنيقةٍ يعتني بها الطلاب كما لو كانت جزءًا من أرواحهم. هذه المدرسة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل كيانٌ حي، تشعر أنه يتنفس الحب والانتماء، ويعيش من أجل الغد.

أتذكر، وأنا أستعيد المشهد الأول الذي رأيت فيه هذه المدرسة قبل أكثر من أربعين عامًا، حين كنتُ أحد طلابها في مطلع الثمانينيات، يوم كانت تُعرف باسم “مدرسة المفرق الإعدادية للبنين”. كان مديرها آنذاك الأستاذ الكبير الدكتور نايف الحامد العموش، الذي غرس فينا أولى بذور الانضباط والاحترام. واليوم، وأنا أرى الأستاذ ياسر الصوافطة يقودها بالروح ذاتها، أشعر أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بثوبٍ جديدٍ من الحداثة. ما بين الأمس واليوم، لم يتغير جوهر المدرسة: ما زالت تخرّج رجالًا يعرفون معنى الكلمة، ويعتزون بالانتماء إلى المفرق.

في ملامح أبي محمد ترى شيئًا من أولئك الرواد الأوائل الذين أحبوا التعليم بصدقٍ نادر. فيه من ثبات المربي القديم، ومن فكر الإداري العصري، ومن حنان الأب الذي يرى في كل طالبٍ ابنه. حين يجلس إلى معلمٍ شاب، لا يُملي عليه التعليمات، بل يُشاركه الفكرة، يستمع إليه كمن يستمع إلى صديقه، ويمنحه الثقة التي تجعله يبدع. لذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول مدرسته إلى خلية عملٍ نابضة، يجتمع فيها المعلمون كأنهم أسرة واحدة.

ولأن القائد يُقاس بأثره، فإن أثر أبي محمد تجاوز أسوار المدرسة إلى المجتمع بأسره. في كل فعالية مجتمعية، في كل مبادرة بيئية أو ثقافية في المفرق، تجد بصمته واضحة. يشجع الطلاب على المشاركة، على خدمة مدينتهم، على احترام العمل العام، فيربّي فيهم روح المواطنة الحقيقية، تلك التي تبدأ من مقعد الدراسة ولا تنتهي عند حدود الوظيفة.

أحد أولياء الأمور قال لي يومًا: “ابني تغيّر بعد أن دخل مدرسة أبو بكر… صار أكثر التزامًا واحترامًا، وأصبح يتحدث عن المدرسة كما يتحدث عن بيته”. تلك الشهادة ليست حالة فردية، بل انعكاس لنهجٍ تربويٍّ متكاملٍ يقوده أبو محمد، حيث يُعامل الطالب كإنسانٍ له قدرٌ وكرامة، لا كرقمٍ في السجلات.

وحين تسأله عن سرّ نجاحه، يبتسم بتواضعه المعهود ويقول: “المدرسة بيت، والمعلم روحها، والطالب قلبها، فإذا صلح القلب صلحت الروح.” كلمات بسيطة لكنها تختزل فلسفة حياة كاملة عاشها في الميدان التربوي.

إنه لا يُدير المدرسة فقط، بل يكتب كل يومٍ سطرًا في تاريخها. سطرًا مليئًا بالعطاء، بالحب، بالصدق، بالتفاني. من الصباح حتى المساء، لا يهدأ قلبه إلا حين يشعر أن اليوم مرّ دون أن يُظلم فيه طالب، أو يُتعب فيه معلم، أو يُهمل فيه درس.

ويحدث أحيانًا أن يمرّ أحد خريجي المدرسة القدامى، ممن درسوا فيها في الثمانينيات، فيجد المدرسة مختلفة لكنها مألوفة. يبتسم وهو يرى النظام والحدائق والألوان الزاهية، ويقول في نفسه: “ما زالت روح المفرق هنا، ما زالت أبو بكر كما كانت… فقط صار فيها ضوء جديد اسمه ياسر الصوافطة.”

في كل زاوية من المدرسة قصة. في كل وجه طالب حلم صغير يكبر. في كل معلمٍ فيها بصمة من بصمات أبي محمد، الذي لا يرضى أن تمرّ مناسبة دون تكريم، ولا يوم دون إنجاز. وقد كانت له مبادرات عديدة في تطوير بيئة المدرسة: من إدخال التعليم النشط، إلى تشجيع استخدام التكنولوجيا، إلى إقامة المعارض الفنية والعلمية التي تُظهر طاقات الطلاب وتُعزز فيهم روح الفريق.

تراه يُتابع نشاطًا كشفياً، أو يجلس مع فريق المسرح المدرسي يُراجع معهم نصًا عن حب الوطن، أو يشارك لجنة المعلمين في وضع خطة تربوية لعامٍ جديد. وفي كل مرة، تشعر أن الرجل يعيش في قلب الميدان، لا في مكتبه.

ومع كل ذلك، ما زال يحتفظ بتواضعه الجم. يعرفه الجميع بابتسامته التي لا تفارق وجهه، بابتسامةٍ فيها صدق الريف المفرقي، وطيبة القلب التي لا تعرف التكلّف. وإذا مرّ أحد المعلمين الجدد بتجربةٍ صعبة، وجده إلى جانبه، يسمع، يخفف، ويقول: “نحن نُعلّم قبل أن نُحاسب.”

ولأن العظمة تُقاس بما تُخلّفه من أثر، فإن الأستاذ ياسر فائق الصوافطة ترك في مدينة المفرق أثرًا لا يُمحى. يكفي أن تسير في الشوارع لتسمع من يقول: “ابني من طلاب مدرسة أبو بكر… مديرها إنسان قبل أن يكون مديرًا.” تلك الجملة وحدها تختصر سيرة رجلٍ أعطى فأبدع، وبنى فأثمر، وغرس فأينع زرعه.

وفي المساء، حين يغادر المدرسة بعد يومٍ طويلٍ، تبقى خطواته على البلاط كأنها أثر معلمٍ من زمنٍ جميل، زمنٍ كانت فيه التربية رسالة مقدسة لا وظيفة عابرة. ينظر إلى الأفق، حيث تمتد المفرق العتيقة، فيبتسم، كأنما يقول لنفسه: “ما زال في هذه المدينة ما يستحق أن نُكمل من أجله.”

إنه أحد أولئك الذين لا يصنعون الضجيج، بل يصنعون الفرق. من قلب المفرق إلى كل بيتٍ فيها، يصل صدى عطائه، لأن التعليم حين يمر عبر القلب، يبقى خالدًا.

وهكذا، سيظل اسم الأستاذ ياسر فائق الصوافطة محفورًا في ذاكرة المفرق كما تُحفر الأسماء الكبيرة في حجارة التاريخ. سيظل أبًا ومربيًا وقائدًا تربويًا حمل لواء العلم، وكتب بجهده اليومي فصولًا من الإلهام لا تُنسى.

سلامٌ على هذا المعلم الذي جعل من المدرسة بيتًا ومن التعليم عبادة، ومن المفرق لوحةً يشرق فيها الأمل كل صباح.
سلامٌ عليه وهو يمضي في طريقٍ اختاره بإيمانٍ وصدق، يعلم أن الأجيال التي ربّاها ستكون امتداده الحقيقي، وأن صدى صوته في الطابور الصباحي سيبقى يتردد في ذاكرة المدينة طويلاً…

بوركت يا أبا محمد، يا من جعلت من الإدارة رسالة ومن التربية فناً ومن المدرسة وطنًا صغيرًا، يعيش فيه الحلم المفرقي بأجمل معانيه.
فالعظماء مثلك لا يغيبون… لأن أثرهم باقٍ في كل قلبٍ تعلم، وفي كل عقلٍ أنارته كلمة خرجت من قلبٍ صادق.

بقلم : المؤرخ والكاتب العربي والناقد الفلسفي
أ.د ياسر طالب الخزاعله
١٢ نوفمبر ٢٠٢٥م.

Share This Article