اليوم… لفتة من طلبة الطب تكشف ما غاب عن الكتب: فراغاً في التعليم ودعوة لاحياء الاخلاق في مناهج التعليم.

dawoud
5 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم د جمال الدباس

اليوم، وفي محاضرة لطلبة السنة السادسة في كلية الطب بالجامعة الاردنية، لم يكن موضوعنا مرضا او تشخيصا او دراسة جديدة، بل شيئا بدا في ظاهره بسيطا، وفي جوهره عميقا للغاية. كانت القاعة مكتظة، والمقاعد لا تكفي الجميع. نصف الطلبة يقفون، والنصف الآخر يجلس. وفي لحظة انسانية جميلة، بادر بعض الطلبة، وبشكل عفوي تماما، الى اقتراح:

“نتناوب على المقاعد… كل واحد يجلس قليلا، ويقف قليلا.”

كان اقتراحا صغيرا، لكنه اضأ شيئا كبيرا.

لم يطلب منهم ذلك، ولم يفرضه نظام، ولم يكتب في تعليمات. كان منبعثا من الذوق، والمروءة، والشعور بالآخر. وهنا ادركنا جميعا، وانا قبلهم، ان الاخلاق ليست درسا نظريا، بل موقفا حيا يولد في لحظة بسيطة، ويكشف المعدن الحقيقي للانسان.

من تلك اللفتة انطلق حديث واسع عن الغيرة السلبية والتنافس غير الصحي؛ تلك اللحظات التي يتلون فيها النجاح بالحسد، ويتحول التفوق الى مساحة ضيقة يخشى البعض ان يشاركها مع غيره. وكيف يمكن لمبادرة صغيرة، كالتناوب على المقاعد، ان تعيد ترتيب المفاهيم، وتذكرنا بان الاخلاق ليست تنظيرا، بل طريقة تعامل تمارس.

ومع توسع النقاش، وجدنا انفسنا نربط هذا المشهد المحلي بما يحدث في الجامعات حول العالم، حيث تدرس الاخلاق والعمل الجماعي ليس كمقرر اضافي، بل كجزء من تكوين الانسان المهني.

 

في اليابان، تبدأ الاخلاق قبل المدرسة، بل قبل القراءة والكتابة. في رياض الاطفال يبني الاطفال مجسما واحدا، ويرسمون لوحة واحدة، ليشعر كل واحد منهم بان نجاحه مرتبط بزملائه. ينظفون صفوفهم بانفسهم فيما يسمى او-سوجي، ويتشاركون الغداء في حصص جماعية تعلمهم قيمة الفريق قبل الفرد.

وفي المرحلة الابتدائية، تتضمن كتب الاخلاق فصولا عن اللطف، المسؤولية، التسامح، احترام الطبيعة، الالتزام بالقيم المجتمعية، والاستقلالية.

وفي الثانوية، يدخلون عالم النظريات الاخلاقية، من النفعية الى الواجب والفضيلة، ثم يبدأون بتحليل قضايا اخلاقية معاصرة كاخلاقيات البيئة والمعلومات.

اما في الجامعات اليابانية، وخاصة في جامعات مثل Osaka University و Tokyo Medical and Dental University، فتتحول الاخلاق الى ممارسات عملية. يناقش طلبة الطب قضايا نهاية الحياة، وخصوصية المريض، والتضارب بين رغبة المريض ومصلحته، وكيف يبقى الطبيب انسانيا في احلك المواقف واكثرها تعقيدا.

وانتقل الحديث الى الجامعات الاخرى، لنتأمل كيف يتعلم الطالب الاخلاق من خلال المواقف المهنية المحتملة.

في جامعة طوكيو للعلوم، يتلقى طالب الهندسة سيناريو: تصميم هندسي فيه خلل قد يهدد سلامة الناس، والشركة تضغط على المهندس لانهاء المشروع بسرعة.

هنا تتجلى اسئلة الاخلاق:

هل يبلغ؟ هل يصمت؟ هل يغامر؟

يتعلم طالب الهندسة ان الضمير هو اول اداة هندسية، وان المهنة بلا اخلاق ليست سوى قشرة جميلة تخفي خطرا عظيما.

 

وفي جامعة ناغويا للتجارة والاعمال، يطرح على طلاب ادارة الاعمال سيناريو تضارب المصالح: صفقة تفيد صديقا لكنها تضر الشركة.

ما الذي يختارونه؟

يتعلمون ان القيادة ليست صفقات ناجحة فقط، بل قرارات عادلة، وامانة مهنية، واحترام للمنظومة التي يعملون فيها.

تناقش هذه الحالات داخل مجموعات، فيتربى الطالب على النزاهة كما يتربى على مبادئ الادارة.

 

وهكذا، من الهندسة الى الادارة الى الطب، يتضح ان الاخلاق ليست مادة منفصلة، بل خيط رفيع يربط كل تخصص بضمير صاحبه.

 

ثم عدنا الى قاعتنا، الى تلك اللحظة التي اقترح فيها الطلبة التناوب على الجلوس، لنرى ان ما يحدث في جامعات العالم يحدث هنا ايضا؛ في موقف صغير، لكنه صادق، ويعكس ذوقا عاما يستحق ان يشاد به، وان يدعم، وان يبنى عليه.

 

هذه المواقف هي التي تمنحنا املا بان الذوق يمكن ان يربى، وان الاخلاق يمكن ان تدرس، وان التعاون يمكن ان يصبح عادة، وان احترام الآخر يمكن ان يتحول الى ثقافة.

وحين نقول ان الحياة ذوق، فنحن نقول ان الحياة لا تقاس بالانجاز فقط، بل بطريقة الانجاز.

لا تقاس بالتنافس فقط، بل بنبل التنافس.

لا تقاس بالكراسي التي نجلس عليها، بل بالكرسي الذي نتنازل عنه لغيرنا.

 

الحياة ذوق…

والذوق منهج يدرس، وتربية تمارس، وثقافة تبنى، وموقف يرى في لحظة مزدحمة، في قاعة طب صغيرة، بين طلاب يحملون مستقبلا كبيرا.

 

وهكذا، من مقعد واحد لا يكفي الجميع…

خرجت رساله فيها عبره تكفي اجيالا.

 

Share This Article