وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الفاضل اسامة بيك القصراوي
سلامًا على مدرستي، مدرسة هارون الرشيد الآيلة للسقوط
حالما سمعت أن مدرستي في المرحلة الابتدائية آيلة للسقوط اصطحبت أصغر أبنائي، وهو حاليًّا في نهاية المرحلة الابتدائية، لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على ذلك المبنى الذي له في الذاكرة أجمل الصفحات.
قبل نحو ثلاثة وخمسين عامًا التحقت بمدرسة هارون الرشيد الابتدائية في حي جناعة، قادمًا من روضة الأطفال التابعة للجمعية الخيرية للتربية الإسلامية والتي تقع على امتداد نفس الشارع، قرب الملعب البلديّ.
ما زالت ذكريات هذه المدرسة تداعب خيالي، حين كنت أحمل الحقيبة المثقلة بالكتب (مثل حقيبة المطَهّر) وأتوجه مع أقراني من الأقارب والجيران والأصدقاء للمدرسة، نستمع لقرع الجرس، ونصطف في طوابير في الساحة الصغيرة، وننظر باحترام للأساتذة آنذاك إبراهيم أبو شنار، محمد سليم، خالد حمبوز، مردن البدوي، ياسر النابلسي، مأمون، أبو أيمن، إلياس توفيق، شبلي حدادين، سامي حدادين، إحسان، العثامنة … وغيرهم ممن غابوا عن الذاكرة.
ننتظر حصة الرياضة لنتسابق أينا يأخذ العصا ويهرب بها ويصل قبل المنافسين ويفوز عليهم، ويوزع علينا الأستاذ إحسان كرات رخيصة الثمن مصنوعة من الجلد لنلعب كرة القدم الممتعة.
وننتظر حصة الفن لنرسم ونلون، كانت دفاترنا وأقلام التلوين من مكتبة الأمل قرب غاز السعيد في حي الضباط، وقد رسم آنذاك الطالب الموهوب أحمد عقاب الجارحي حركة التثبيت التي حدثت بين المصارعين (تيبر زكش و ميك ماك ملص) والتي شاهدها على التلفاز. وكنا ننجز بعض القوالب باستخدام الجبصين، ونصنع المجسمات كالطاووس والمسجد بالنسلة بعد لصق صورها على لوح خشب الـ تروبلاي، وكنا نلصق حبّ الحمص على الجرار الفخاريّة بالغراء ثم ندهنها بما يتوفر من دهان عند محل أبو أحمد الحديثة لمواد البناء، ويجمع المعلم ما ننجزه إلى جانب اللوحات التعليمية التي صممناها وما زرعناه في القواوير لعرضه أمام الضيوف في يوم النشاط.
أذكر مرافقتي لوالدي إلى يوم النشاط المدرسي حيث جلسنا في الساحة على مقاعد الدراسة (الدروج) وعرضت المدرسة أمام الحضور فلمًا على شاشة، ربما كان عن فوائد الحليب، حيث ترن إلى الآن في ذاكرتي عبارة (اشرب اللبن يا محمد) التي وردت في الفلم، وكان أحد الطلاب يؤذن لصلاة الظهر بالميكروفون، وكان طالب آخر ينشد: تلميذٌ يشرب دخانًا … تراه دومًا طفرانًا.
أمّا الأستاذ مردن فكان يرتدي بذلة ذات لون زيتي، وقد درّب جوقة من الطلاب على إنشاد القصيدة التالية:
بلادي بلادي فداك دمي
وهبت حياتي فدىً فاسلمي
غرامك أول ما في الفؤاد
ونجواك آخر ما في فمي
سأهتف باسمك طول الحياة
تعيش بلادي ويحيا الوطن
بلادي بلادي إذا اليوم جاء
ودوى النداء وحق الفداء
فحيّي فتاكِ شهيد هواك
وقولي سلامًا على الأوفياء
أمّا أنا فأقول: سلامًا على كل معلم حمل لوح الطبشور وعلمنا كتابة الحروف بشكل جميل، سلامًا عليكم وقد علمتمونا نطق الحروف بشكل صحيح وقراءة الجمل بشكل معبّر، سلامًا على عصيّكم التي كنا نخشى آلامها على أيدينا الغضة، سلامًا على تدافعنا في (الفرصة) لشراء ساندويشة الفلافل من المطعم المقابل للمدرسة، سلامًا على أرباح المقصف و(الكعكبان والسمسمية) من دكان والد الأستاذ عادل.
سلامًا على الجولات التعليمية والرحلات المدرسية، سلامًا على الإدارة وغرفة المعلمين والمكتبة وأمينها الذي شجعني على القراءة والاشتراك في مسابقة أوائل المطالعين، وسمح لي أن أستعير ما أشاء من القصص دون قيد أو شرط، وفرح عندما فزت وحصلت على جائزة (قلم بِك ودفتر كشكول وقصة لؤلؤة البحر وكتكت المدهش).
سلامًا على الزملاء ورفاق الصبا
سلامًا عليك مدرستي الغالية … مدرسة هارون الرشيد
أهالي حـــي جناعة
اهالي حي جناعة


