وكالة تليسكوب الإخبارية – كتب ليث الفراية
ليست الغربة دائماً ابتعاداً عن الأرض، فبعض الرجال حين يغادرون حدود الوطن، إنما يحملونه معهم أينما حلّوا، فكرةً وسلوكاً ومسؤوليةً لا تسقط بالتقادم حيث هناك رجال لا تُقاس علاقتهم بأوطانهم بالمسافة، بل بالفعل، ولا تُختبر بالخطابات، بل بالمواقف الصامتة التي لا تبحث عن تصفيق والأستاذ عاهد المصاروه واحد من هؤلاء، رجل لم تغره المسافات، ولم تُربكه الغربة، بل زادته اقتراباً من معنى الوطن الحقيقي فهو من أولئك الذين يجعلون الانتماء ممارسة يومية لا شعاراً موسميّاً.
تكوّنت ملامح شخصيته الأولى في ميادين الانضباط والالتزام، فهو نقيب متقاعد من القوات المسلحة الأردنية، وخريج جامعة مؤتة – الجناح العسكري، حيث تُبنى الرجولة على الصبر، ويُصاغ القادة من تحت ضغط المسؤولية لا من خلف المكاتب حيث هناك تعلّم أن القيادة ليست أمراً يُمنح، بل سلوك يُمارس، وأن خدمة الوطن تبدأ من الإيمان به قبل الدفاع عنه وتلك المرحلة لم تكن وظيفة في سيرته، بل حجر الأساس في وعيه وشخصيته.
وحين انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً إلى ولاية ميشيغن – مدينة ديترويت، لم يكن ذلك انتقالاً بحثاً عن فرصة فقط، بل بداية فصل جديد من فصول العطاء حيث دخل عالم الأعمال بعقلية رجل دولة، لا بعقلية تاجر عابر، فبنى اسمه بهدوء، ورسّخ حضوره بثقة، ليصبح واحداً من أبرز رجال الأعمال الأردنيين في تلك الولاية، اسماً يُحترم لأنه لم يُبنَ على المغامرة، بل على النزاهة والعمل المتراكم فنجاحه هناك كان امتداداً لأخلاقه، لا استثناءً عنها.
غير أن النجاح الاقتصادي لم يكن يوماً هدفه الأعلى، فالرجل الذي تربّى على معنى الواجب لا يرى في المال غاية، بل وسيلة ومن هنا جاء دوره الاجتماعي، حين تولّى رئاسة الجمعية الأردنية الأمريكية، ليحوّلها من إطار تنظيمي إلى بيتٍ جامع، ومن عنوان إداري إلى مظلة إنسانية لكل أردني وعربي في ميشيغن فغدت الجمعية مساحة دفء لا مكتب معاملات.
في رئاسته للجمعية، لم يكن قريباً من الناس بحكم الموقع، بل بحكم الطبع حيث فتح الأبواب، وسمع الشكاوى، وشارك الهموم، وتعامل مع الجميع بعين واحدة لا تعرف الفوارق وأصبح اسمه حاضراً في تفاصيل الجالية، في مناسباتها، وفي أزماتها، وفي لحظات الفرح والانكسار، دون أن يتعامل مع ذلك كمنّة أو واجب بروتوكولي وكان حاضراً كأخ أكبر لا كرئيس مؤسسة.
ومن أصدق الشواهد على فلسفته في العطاء، مبادرته بتعليم أربعين طالباً أردنياً على نفقة الجمعية حيث لم يكن ذلك قراراً مالياً، بل موقفاً أخلاقياً، نابعاً من قناعة راسخة بأن التعليم هو السلاح الأقوى، وأن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر فشكّل هذا أربعون قصة أمل، وأربعون شاباً حملوا العلم بدل القلق، لأن هناك من آمن بهم دون أن يراهم وهذا الإيمان هو ما يصنع الفارق بين فاعل الخير وصانع الأثر.
وامتد عطاؤه إلى القطاع الصحي، حيث كان من المساهمين الكبار في بناء وتأثيث مركز الأمل للسرطان في مدينة العقبة، ذلك المشروع الإنساني الذي يُعيد تعريف معنى الشراكة الوطنية حيث مساهمته لم تكن مجاملة ولا استجابة لحملة، بل تعبير صادق عن إيمان عميق بأن الألم الإنساني لا يُواجه إلا بتكاتف صامت، وبعمل لا يحتاج إعلاناً فهناك، حيث يضعف الجسد، تتجلى أنقى صور الإنسانية.
الأستاذ عاهد المصاروه لا يظهر كثيراً في المشهد، لكنه حاضر في نتائجه لا يرفع صوته، لكن أثره مسموع ويتعامل مع الجميع بتواضع القائد لا بثقة المتعالي، فصار قريباً من القلوب قبل أن يكون معروفاً في السجلات وهذه البساطة الواعية هي ما صنعت له هذا الاحترام العابر للمناصب والحدود فالقيمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجاً لتُرى.
في أوساط الجالية الأردنية والعربية في ميشيغن، يُذكر اسمه مقروناً بالمبادرة، وبالوقوف إلى جانب الناس في الأوقات الصعبة قبل السهلة حيث لم يكن يوماً متفرجاً على حاجة، ولا متأخراً عن موقف، وكأن البوصلة التي تحكم قراراته تشير دائماً إلى جهة واحدة وهي “الإنسان أولاً ” وهذه البوصلة نادراً ما تخطئ أصحابها.
وما يميّز هذه التجربة أن النجاح لم يغيّر صاحبها، بل كشف معدنه حيث لم تُبعده الغربة عن وطنه، بل أعادت تعريف علاقته به وبقي الأردن حاضراً في وجدانه، وفي خياراته، وفي تفاصيل عطائه، وكأن المسافة الجغرافية تحوّلت عنده إلى جسر خدمة لا إلى حاجز انتماء فالوطن عنده فعل مستمر لا ذاكرة مؤقتة.
ختاماً لا يمكن الحديث عن الأستاذ عاهد المصاروه بوصفه سيرة مختصرة أو إنجازاً واحداً فنحن أمام نموذج لرجل جمع بين صلابة العسكري، وحكمة رجل الأعمال، ودفء الإنسان رجل أثبت أن الوطنية لا تُمارس من موقع، ولا تُقاس بمكان، بل تُثبت بالفعل اليومي، وبالعطاء الذي يُقدَّم بصمت ويبقى أثره حيّاً حتى دون أن يُكتب اسمه في العناوين وهكذا يُخلَّد الرجال “بما يزرعون لا بما يقولون” .الأستاذ عاهد المصاروه … رجل وطني ينبض الوطن في أفعاله، ويكتب صدّقه في قلوب الناس قبل الصفحات
كتب: ليث الفراية
ليست الغربة دائماً ابتعاداً عن الأرض، فبعض الرجال حين يغادرون حدود الوطن، إنما يحملونه معهم أينما حلّوا، فكرةً وسلوكاً ومسؤوليةً لا تسقط بالتقادم حيث هناك رجال لا تُقاس علاقتهم بأوطانهم بالمسافة، بل بالفعل، ولا تُختبر بالخطابات، بل بالمواقف الصامتة التي لا تبحث عن تصفيق والأستاذ عاهد المصاروه واحد من هؤلاء، رجل لم تغره المسافات، ولم تُربكه الغربة، بل زادته اقتراباً من معنى الوطن الحقيقي فهو من أولئك الذين يجعلون الانتماء ممارسة يومية لا شعاراً موسميّاً.
تكوّنت ملامح شخصيته الأولى في ميادين الانضباط والالتزام، فهو نقيب متقاعد من القوات المسلحة الأردنية، وخريج جامعة مؤتة – الجناح العسكري، حيث تُبنى الرجولة على الصبر، ويُصاغ القادة من تحت ضغط المسؤولية لا من خلف المكاتب حيث هناك تعلّم أن القيادة ليست أمراً يُمنح، بل سلوك يُمارس، وأن خدمة الوطن تبدأ من الإيمان به قبل الدفاع عنه وتلك المرحلة لم تكن وظيفة في سيرته، بل حجر الأساس في وعيه وشخصيته.
وحين انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً إلى ولاية ميشيغن – مدينة ديترويت، لم يكن ذلك انتقالاً بحثاً عن فرصة فقط، بل بداية فصل جديد من فصول العطاء حيث دخل عالم الأعمال بعقلية رجل دولة، لا بعقلية تاجر عابر، فبنى اسمه بهدوء، ورسّخ حضوره بثقة، ليصبح واحداً من أبرز رجال الأعمال الأردنيين في تلك الولاية، اسماً يُحترم لأنه لم يُبنَ على المغامرة، بل على النزاهة والعمل المتراكم فنجاحه هناك كان امتداداً لأخلاقه، لا استثناءً عنها.
غير أن النجاح الاقتصادي لم يكن يوماً هدفه الأعلى، فالرجل الذي تربّى على معنى الواجب لا يرى في المال غاية، بل وسيلة ومن هنا جاء دوره الاجتماعي، حين تولّى رئاسة الجمعية الأردنية الأمريكية، ليحوّلها من إطار تنظيمي إلى بيتٍ جامع، ومن عنوان إداري إلى مظلة إنسانية لكل أردني وعربي في ميشيغن فغدت الجمعية مساحة دفء لا مكتب معاملات.
في رئاسته للجمعية، لم يكن قريباً من الناس بحكم الموقع، بل بحكم الطبع حيث فتح الأبواب، وسمع الشكاوى، وشارك الهموم، وتعامل مع الجميع بعين واحدة لا تعرف الفوارق وأصبح اسمه حاضراً في تفاصيل الجالية، في مناسباتها، وفي أزماتها، وفي لحظات الفرح والانكسار، دون أن يتعامل مع ذلك كمنّة أو واجب بروتوكولي وكان حاضراً كأخ أكبر لا كرئيس مؤسسة.
ومن أصدق الشواهد على فلسفته في العطاء، مبادرته بتعليم أربعين طالباً أردنياً على نفقة الجمعية حيث لم يكن ذلك قراراً مالياً، بل موقفاً أخلاقياً، نابعاً من قناعة راسخة بأن التعليم هو السلاح الأقوى، وأن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر فشكّل هذا أربعون قصة أمل، وأربعون شاباً حملوا العلم بدل القلق، لأن هناك من آمن بهم دون أن يراهم وهذا الإيمان هو ما يصنع الفارق بين فاعل الخير وصانع الأثر.
وامتد عطاؤه إلى القطاع الصحي، حيث كان من المساهمين الكبار في بناء وتأثيث مركز الأمل للسرطان في مدينة العقبة، ذلك المشروع الإنساني الذي يُعيد تعريف معنى الشراكة الوطنية حيث مساهمته لم تكن مجاملة ولا استجابة لحملة، بل تعبير صادق عن إيمان عميق بأن الألم الإنساني لا يُواجه إلا بتكاتف صامت، وبعمل لا يحتاج إعلاناً فهناك، حيث يضعف الجسد، تتجلى أنقى صور الإنسانية.
الأستاذ عاهد المصاروه لا يظهر كثيراً في المشهد، لكنه حاضر في نتائجه لا يرفع صوته، لكن أثره مسموع ويتعامل مع الجميع بتواضع القائد لا بثقة المتعالي، فصار قريباً من القلوب قبل أن يكون معروفاً في السجلات وهذه البساطة الواعية هي ما صنعت له هذا الاحترام العابر للمناصب والحدود فالقيمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجاً لتُرى.
في أوساط الجالية الأردنية والعربية في ميشيغن، يُذكر اسمه مقروناً بالمبادرة، وبالوقوف إلى جانب الناس في الأوقات الصعبة قبل السهلة حيث لم يكن يوماً متفرجاً على حاجة، ولا متأخراً عن موقف، وكأن البوصلة التي تحكم قراراته تشير دائماً إلى جهة واحدة وهي “الإنسان أولاً ” وهذه البوصلة نادراً ما تخطئ أصحابها.
وما يميّز هذه التجربة أن النجاح لم يغيّر صاحبها، بل كشف معدنه حيث لم تُبعده الغربة عن وطنه، بل أعادت تعريف علاقته به وبقي الأردن حاضراً في وجدانه، وفي خياراته، وفي تفاصيل عطائه، وكأن المسافة الجغرافية تحوّلت عنده إلى جسر خدمة لا إلى حاجز انتماء فالوطن عنده فعل مستمر لا ذاكرة مؤقتة.
ختاماً لا يمكن الحديث عن الأستاذ عاهد المصاروه بوصفه سيرة مختصرة أو إنجازاً واحداً فنحن أمام نموذج لرجل جمع بين صلابة العسكري، وحكمة رجل الأعمال، ودفء الإنسان رجل أثبت أن الوطنية لا تُمارس من موقع، ولا تُقاس بمكان، بل تُثبت بالفعل اليومي، وبالعطاء الذي يُقدَّم بصمت ويبقى أثره حيّاً حتى دون أن يُكتب اسمه في العناوين وهكذا يُخلَّد الرجال “بما يزرعون لا بما يقولون” .


