وكالة تليسكوب الاخبارية
في ظل مسار التحديث السياسي الذي يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني، وما يحمله من انتقال تدريجي نحو برلمان حزبي وبرامج سياسية واضحة، تبرز الحاجة ملحّة لإعادة النظر في النظام الداخلي لمجلس النواب، باعتباره الإطار الناظم للحياة البرلمانية، وأحد المفاتيح الأساسية لتحويل الإصلاح من نصوص تشريعية إلى ممارسة مؤسسية فعلية داخل قبة البرلمان.
ويعود ملف تعديل النظام الداخلي إلى الواجهة باعتباره أحد أهم مفاصل الإصلاح البرلماني، وأحد الاختبارات الحقيقية لجدية تحديث الحياة السياسية من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، فهذا النظام ليس مجرد وثيقة إجرائية تنظم الجلسات والاجتماعات، بل هو الإطار الذي يحدد طبيعة العمل النيابي، وحدود التأثير، وآليات اتخاذ القرار، فضلا عن مدى قدرة المجلس على أداء دوره الدستوري بكفاءة واستقلالية.
مواكبة التحولات
هذا الإدراك بات حاضراً داخل المجلس، حيث أشار رئيس مجلس النواب مازن القاضي إلى أهمية تطوير النظام الداخلي بما ينسجم مع المرحلة الجديدة، وبما يواكب التحولات التي أفرزتها منظومة التحديث السياسي، فالقاضي يدرك، كما يدرك كثيرون، أن برلماناً يعمل بأدوات قديمة لا يمكنه أن ينتج ممارسة سياسية حديثة، وأن الانتقال إلى العمل الحزبي المنظم يتطلب إعادة ضبط قواعد اللعبة البرلمانية من الداخل، بدءاً من آليات إدارة الجلسات، مروراً بدور اللجان، وصولاً إلى العلاقة بين الكتل النيابية وهيئات المجلس.
وفي السياق ذاته، يؤكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب خميس عطية أن إصلاح النظام الداخلي يشكل المدخل الحقيقي لإصلاح الأداء النيابي كله، مشدداً على أن أي تعديل على القوانين السياسية، مهما كان متقدماً، سيبقى ناقص الأثر ما لم يواكبه إصلاح موازٍ داخل مجلس النواب نفسه.
فالنظام الداخلي، بحسب عطية، هو العمود الفقري للعمل التشريعي والرقابي، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على صورة المجلس لدى الرأي العام، وعلى قدرته في القيام بوظيفته الدستورية، مشيراً إلى أن النظام الحالي لم يعد ملائماً لمرحلة سياسية عنوانها العمل الجماعي والحزبي، لا الفردي.
ويرى أن الإبقاء على القواعد القديمة ذاتها سيعمّق الفجوة بين الخطاب الإصلاحي والممارسة البرلمانية، ويحد من قدرة النواب، أفراداً وكتلاً، على التأثير الحقيقي في التشريع والرقابة.
ثقة الشارع
هذا التوجه تعززه أيضاً مواقف نيابية واضحة، حيث تحدث النائب مصطفى العماوي عن أن تعديل النظام الداخلي بات ضرورة لضبط الأداء النيابي، وتنظيم العلاقة بين اللجان والكتل، وتحقيق العدالة في توزيع الأدوار داخل المجلس، محذراً من أن استمرار الاختلالات التنظيمية ينعكس سلباً على ثقة الشارع بالمؤسسة التشريعية، ويضعف قدرتها على لعب دورها السياسي المطلوب في هذه المرحلة.
كما أن أحد أبرز أوجه القصور في النظام الداخلي الحالي يتمثل في ضعف تمكين المرأة داخل المجلس، فرغم التقدم الملحوظ في تمثيلها نيابياً، إلا أن حضورها في مواقع صنع القرار البرلماني ما يزال محدوداً، سواء في رئاسة اللجان، أو في المكتب التنفيذي، ومن هنا، فإن أي تعديل جاد يجب أن يتجه نحو صياغة نظام داخلي صديق للمرأة، لا من باب المجاملة، بل باعتباره استحقاقاً دستورياً وسياسياً، ينسجم مع دور المرأة في الحياة العامة، ومع التزامات الدولة في تمكينها سياسياً.
في المقابل، يفرض الانتقال نحو برلمان حزبي إعادة صياغة جوهرية للنظام الداخلي بما يعزز دور الأحزاب والكتل الحزبية داخل المجلس، فاستمرار العمل بذهنية النائب الفرد، وتهميش الكتل الحزبية في تشكيل اللجان وتوزيع رئاساتها، يتناقض مع فلسفة الإصلاح السياسي القائمة على البرامج لا الأشخاص، ويبدو من غير المنطقي أن يُطلب من الأحزاب أن تكون رافعة للحياة السياسية، في حين لا يمنحها النظام الداخلي أدوات حقيقية للتأثير داخل البرلمان.
تعارض المواد
ومن القضايا التي تثير جدلاً متزايداً داخل الأوساط النيابية والقانونية، وجود مواد في النظام الداخلي قد تتعارض في تفسيرها أو تطبيقها مع أحكام الدستور، لا سيما ما يتعلق بالنصاب، وآليات اتخاذ القرار، وحدود صلاحيات هيئات المجلس، وهذا الأمر يستدعي مراجعة دقيقة وشاملة، تضمن انسجام النظام الداخلي مع النص الدستوري بشكل واضح وصريح، وتمنع أي اجتهادات قد تقيّد الدور التشريعي أو الرقابي للنائب.
وتشكل مسألة النصاب والحضور والغياب واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً، في ظل تعطّل جلسات المجلس أو اجتماعات اللجان بسبب غياب عدد كافٍ من النواب، فتعطيل العمل البرلماني لا ينعكس فقط على التشريع، بل يضر بصورة المجلس وهيبته، ومن هنا، فإن تعديل النظام الداخلي يجب أن يتضمن آليات واضحة وصارمة لضبط الغياب غير المبرر، وربط الحضور بالمساءلة، بما يعزز الانضباط البرلماني.
ولا يقل أهمية عن ذلك، إعادة النظر في عدد اللجان النيابية، فالإبقاء على عدد كبير من اللجان، في وقت لا تعقد فيه بعض هذه اللجان سوى اجتماع أو اجتماعين خلال الدورة العادية، يطرح تساؤلات جدية حول الجدوى والكفاءة، إذ إن تقليص عدد اللجان ودمج المتشابه منها من شأنه رفع مستوى التخصص، وتعزيز الإنتاجية، وتفعيل الدور الرقابي والتشريعي للجان بشكل حقيقي.
معالجة آليات الانتخاب
كما يفترض أن يعالج النظام الداخلي آلية انتخاب اللجان ورئاساتها، بحيث تقوم على التمثيل الحزبي والكفاءة، لا على التوازنات الشخصية أو المناطقية، وأن يحدد بوضوح متى تكون اجتماعات اللجان مفتوحة أو مغلقة، وأهمية إصدار بيانات رسمية واضحة بعد كل اجتماع لجنة، بما يعزز الشفافية ويقرب المجلس من الرأي العام.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية منح المكتب التنفيذي لمجلس النواب دوراً أكثر فاعلية في تنظيم العمل البرلماني وتنسيق العلاقة بين اللجان والكتل، على أن يكون هذا الدور محدداً بنصوص واضحة، وخاضعاً للرقابة، بما يمنع تضارب الصلاحيات أو تركز القرار.
وفي المجمل، فإن تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب لم يعد تفصيلاً إجرائياً، بل بات استحقاقاً سياسياً ودستورياً، يتقاطع بشكل مباشر مع الرؤية الملكية للإصلاح، ومع طموح الأردنيين إلى برلمان قوي، منظم، ومنضبط، قادر على تمثيلهم، ومساءلة الحكومة، وصناعة تشريعات تعكس مصالحهم، فإصلاح القوانين دون إصلاح أدوات العمل داخل المجلس يبقى إصلاحاً منقوصاً، فيما يشكل النظام الداخلي حجر الأساس لأي نهضة حقيقية في الحياة البرلمانية.
الغد


