وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتب د. ماجد الخواجا
تؤكد مدارس ونظريات الإعلام المختلفة بأن الدور الرئيس للإعلام يتمثل في “الإخبار” ونقل الوقائع كما تجري أو جرت، ثم جاءت عديد من المهمات الإعلامية ومنها “التوعية والتوجيه الإعلامي” والمسؤولية المجتمعية والإعلام التنموي. عبر مسيرة الإعلام الممتدة، فقد حدثت جملة تحولات حرفت الغايات الإعلامية ذات الطابع الأخلاقي والإنساني، لتصبح أداة من أدوات السلطة والنظام الحاكم وفئات اجتماعية واقتصادية لها مصالحها التي ترتب عنها تغيير دفّة الإعلام بما يلبّي مطامح ومصالح تلك الجهات الرسمية وغير الرسمية، والتبست الأمور عند الباحثين في الشأن الإعلامي، وهل يمكن إطلاق يد المتنفذين ذوي الغايات المتضادة بأن يتحكموا في مدخلات وعمليات ومخرجات الإعلام دون أي اعتبار للأبعاد القيمية الأخلاقية.
إن خطابات الكراهية لم تنحتها جلسات وأمسيات الرجال، وإن عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية نتجت عن بدايات من قبيل منشور أو مقال أو تحقيق أو تحليل أو مجرّد تعليق. فالإعلام هو الأداة المؤثرة في نشر ثقافة الفتنة والعنصرية والجهوية، وصولاً لأن يتم تسويغ وتبرير القتل الجماعي العشوائي لفئات من البشر تم تهيئة المسرح إعلامياً للتخلّص منها.
تقول لافتة جانبية في حجرة خافتة الإضاءة في متحف كيجالي التذكاري للإبادة الجماعية في رواندا “إن الإعلام المحرِّض” لعب دوراً كبيراً في التمهيد للمذابح التي راح ضحيتها 800 ألف شخص في أعمال قتل جماعي استمرت 100 يوم. أنشأ متطرفوا “الهوتو” وهم الأغلبية في رواندا محطات إذاعية وصحفا تنشر الكراهية وتحث الناس على “التخلص من الصراصير”، أي قتل التوتسي وهم الأقليّة، فيما كانت الإذاعة تبث أسماء الأشخاص الموجودين على قوائم القتل من قبيلة التوتسي. الحكومة التي جاءت بعد الإبادة الجماعية في رواندا ركزت جهودها لتوحيد المجتمع وإنهاء الثارات من خلال سياسة “الاتحاد والمصالحة”. عبر( نظام الغاكاكا) وهو شكل من أشكال العدالة مستوحى من التقاليد، تم تأسيسه للتعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بالجرائم أثناء الإبادة الجماعية.
إن “إعلام الكراهية” ساهم بشكلٍ رئيس في إشعال مزيد من النيران من أجل مزيد من القتل ومزيد من الدم. عبر عمليات الابادة الجماعية التي جرت بدارفور وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وكولومبيا وضد مسلمي ميانمار.
لم تقم الزلايات المتحدة بإرسال قوات لحماية الضحايا بنفس المنطق العنصري، فدماء الأبرياءالضحايا العرب والأفارقة ليست دماءً أمريكية. مع النظرة الدونية إلى إفريقيا التي يطلق عليها القارة السمراء كتمييز عنصري.
من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي ونتائجها الخطيرة، أنها تُسهم في نشر أكاذيب وشائعات فتشعل الفتن بين الأقليات العرقية ومكونات المجتمع . كما أنها تُسهم في بنشر أخبار مختلقة تغضب المواطنين، وتتيح للحكومات الديكتاتورية ورجال الأعمال الموالين لها بنشر أخبارهم المزيَّفة المعبِّرة عن مصالحهم على حساب قطاعات كبيرة من الشعب. هناك سلبيات الاستخدام غير المحسوب لوسائل التواصل الاجتماعي، فالأوضاع غير المستقرة وسيطرة الحكومات على مؤسسات الاعلام ، وإعتماد نسبة كبيرة من الشعب على الانترنت والتليفون المحمول، يجعلهم عُرضة للتأثر بالشائعات والدعوات للعنف التي تدعو لها وسائل التواصل. وهو ما استغلته الأنظمة الشمولية للحد من حرية التحوّل الرقمي والتعبير عن الرأي بذريعة مكافحة التطرّف والإرهاب الفكري وصيانة الأمن المجتمعي.
أن يكون دور وسائل الإعلام هو التنوير وكشف الحقائق أمام الرأي العام، بشكل محايد، لكن تحوَّل الإعلام لأداة ليتس فقط للتحريض على البطش والاعتقال، بل للدعوة المباشرة إلى القتل والتصفية الجسدية خارج القانون. إنها صناعة الشرير الذي يجب قتله، أو العدو الذي يجعلنا نقتل بضمير مرتاح. إنه عنف ضروري لاحتواء عنفهم، إننا نجد أنفسنا مُجبرين على تفجيرهم ليصبحوا ديمقراطيين وإنسانيين. فلا بدّ من التخلّص منهم. أن تضع المُبرر لقتل إنسان بريء شيء، وأن تجعل إنسانا آخر يُقدِم على قتله شيء آخر. إنك في الأولى تحتاج إلى سببٍ لقتله، وقد ينجح ذلك على المستوى النظري، لكنك في الثانية تحتاج إلى أن تجعله قابلا للقتل بالفعل، وأن تزيل عنه كل مانع معنوي وإنساني يمنع جنودك من إحراقه حتى الموت.
إن إعلام الكراهية يستطيع تحويل البشر العاديين، لقتلة سفّاحين في غمضة عين. نجده في تصريح أحد القادة اليابانيين حول قتلهم البشع للصينيين أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ قال: “لقد كان قتلهم يسيرا على الجنود لأننا كنا ننظر إليهم على أنهم أشياء وليسوا بشرا مثلنا”. تلك النظرة هي ذاتها التي يرى بها الصهيونيون الغاصبون الفلسطينيين. فالحكومة الصهيونية بحسب “إيال وايزمان” تجعل المستوطنات تحفة معمارية على أعلى طراز، في حين تجعل الوديان الفلسطينية المجاورة مكبّاً للنفايات ومياه الصرف. إنها تلك النظرة التي “تُشيِّئ” الآخر حتى يسهل تهميشه، أو بتعبير “جورج أورويل” تصنع ناسا و”لا ناس”، فالعالم عند الغرب مُقسَّم بين أناس من أمثالهم، وأولئك “اللا ناس” الذين لا يُحسَب لهم حساب. لقد قتلت القوات الألمانية في حرب الماجي ماجي بتنزانيا آلاف البشر من الجوع والعذاب عبر إستراتيجية الأرض المحروقة التي انتهجتها قبل الهولوكوست بأكثر من ثلاثين سنة، ناهيك بمجازر قبائل هِررو بنامبيا أوائل القرن الماضي، حين أجبر الضباط الألمان نساء القتلى على نزع اللحم عن الجماجم بشظايا الزجاج، ثم حملوا هذه الجماجم عبر البحر حتى يتمكَّن باحثو العِرق من دراستها.
إن الاستعمار الأوروبي للأمريكتين أباد ما يقارب 400 أمة من السكان الأصليين، ونحو 112 مليون إنسان، وأن ذلك لم يكن فقط عبر القتل المباشر بالبنادق والأنصال، بل يذكر المؤرخ “هنري دوبينز” في كتابه “أرقامهم التي هزُلت” أن الهنود تعرَّضوا في أربعة قرون فقط إلى 93 حرب جرثومية بشتى أنواع الأوبئة، حتى إن بعض الشعوب الهندية التقطت العدوى من جيرانها وأُفنيت قبائلهم عن آخرها دون أن يروا وجها أبيضَ واحدا.
لقد زيّن الإعلام الكريه صورة وممارسات وصلت لدرجات الإبادة الجماعية، إعلام تم تجنيده بمرتبة قاتل مأجور مذموم. وللحديث بقية.

