وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
تبدأ الحكاية من تلك اللحظة التي تفتح فيها عينيك على ضوء هاتفك قبل ضوء الشمس. قبل أن تغسل وجهك أو تتنفس هواء الصباح، تمتد يدك آلياً لتتفقد العالم عبر شاشة صغيرة، لتجد نفسك فجأة في قلب دوامة لا تنتهي من المقارنات. فلان سافر، وعلان نال ترقية، وهذا يمارس الرياضة في الفجر وكأنه لا يعرف التعب. قبل أن يبدأ يومك فعلياً، يتسلل إليك شعور خانق بأنك متأخر عن العالم بعشر سنوات، وأن قطار الإنجاز يسبقك بخطوات لا تستطيع اللحاق بها. نحن نعيش اليوم في عصر “الإرهاق الملمع”، حيث أصبح الانشغال الدائم نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، وصار التعب علامة على الأهمية. إذا سألك أحدهم عن حالك وأجبت بأنك “ترتاح” أو “لا تفعل شيئاً”، قد تشعر بوخز الضمير أو الذنب، كأنك ترتكب جريمة في حق الإنتاجية. الحقيقة المرة هي أننا انخرطنا في سباق يشبه عجلة الهامستر؛ نبذل طاقة هائلة، ونركض بكل ما أوتينا من قوة، لكننا في الواقع لا نتحرك من مكاننا النفسي شبرًا واحدًا. لقد سلبنا “التوفر الدائم” أجمل ما فينا. أصبح الجميع يتوقع منك أن تكون متاحاً على مدار الساعة؛ ترد على رسائل العمل فوراً، وتتفاعل مع الأصدقاء لحظياً، وتتابع “الترند” لئلا يفوتك حديث المجالس. هذا التشتت الذهني أفقدنا القدرة على التركيز العميق وعلى عيش اللحظة بصدق. متى كانت آخر مرة قرأت فيها كتاباً لعشر دقائق دون أن تهتز يدك لتفقد إشعار؟ أو جلست مع عائلتك دون أن يكون الهاتف هو الضيف الثالث على المائدة؟ إن الشجاعة الحقيقية في عام 2026 لا تكمن في فعل المزيد، بل في القدرة على فعل الأقل بذكاء. التصالح مع فكرة أنك “لست مضطراً لفعل كل شيء” هو قمة الوعي. أن تتعلم فن الاستغناء، وتقول “لا” لكل ما يستهلك روحك دون طائل، ليس تكاسلاً بل هو استثمار في صحتك النفسية. حتى الملل الذي نهرب منه، هو في الواقع المساحة التي تولد فيها أعظم الأفكار الإبداعية وتترمم فيها الروح من ضجيج العالم.ان الحياة ليست تطبيقاً يحتاج إلى تحديث مستمر، وليست ماراثوناً مع أشخاص لا يعرفونك أصلاً. في نهاية المطاف، لن يتذكر الناس كم كنت “مشغولاً” أو كم عدد المهام التي شطبتها من قائمتك، بل سيتذكرون أثرك، وهدوءك، وكيف كنت “موجوداً” معهم بقلبك لا بجسدك فقط. توقف عن الركض قليلاً، خذ نفساً عميقاً، وانظر حولك؛ فربما تكون قد وصلت بالفعل إلى ما كنت تحلم به، لكنك فقط نسيت أن تتوقف لتستمتع بالمنظر.

