وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم : د. أحمد زياد أبو غنيمة
في الوقت الذي تشتد فيه الأزمات الاقتصادية وتضيق فيه سبل العيش على المواطن الأردني الصابر، تطل علينا الحكومة بمشروع تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي؛ تعديلاتٌ لا يمكن وصفها إلا بأنها “انقضاض” على المكتسبات التاريخية للعمال والموظفين، ومساسٌ مباشر بآخر قلاع الأمان الاجتماعي في وطننا المفدى.
إن ما يُطرح اليوم ليس مجرد “إصلاحات تقنية” كما يروج البعض، بل هو عبء إضافي يُلقى على كاهل شعبٍ لم يعد يقوى على حمل المزيد.
مديونية الحكومة.. لماذا يدفع “الغلابة” الثمن؟
إن الحديث عن “استدامة الصندوق” لا يجوز أن يبدأ من جيب المشترك الصغير، بل يجب أن يبدأ من الحقيقة المرة التي تتهرب منها الحكومات: أن الحكومات المتعاقبة مدانة لصندوق الضمان بمبلغ يتجاوز الـ 11 مليار دولار.
هذه المليارات هي عرق جبين الأردنيين وكدّ سنواتهم، ولم يكن الشعب يوماً شريكاً في القرارات التي أدت إلى استنزاف هذه الأموال أو تراكم مديونية الحكومة تجاه الصندوق، ومن الظلم الصارخ والمنافي لكل قيم العدالة أن يُطالب المواطن اليوم بسداد فاتورة هذه المديونية عبر حرمانه من حقه في تقاعد مبكر كريم، أو عبر رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات التي تنهش ما تبقى من راتبه المتآكل.
سياسة “الجيب الواحد” وإفلاس الحلول
لقد بات واضحاً أن “الاتكاء الدائم” من الحكومات المتعاقبة على جيبة المواطن لإخراجها من ورطاتها الاقتصادية ليس حلاً، بل هو اعتراف صريح بإفلاس العقل الاقتصادي الحكومي.
إن الحلول الحقيقية تكمن في تحفيز الاستثمار، وسداد ديون الصندوق، ووقف الهدر، وليس في “قصقصة” أحلام الشباب في تقاعد يستر شيخوختهم.
إن الاستمرار في هذا النهج هو دفعٌ متعمد نحو الاحتقان، وعبثٌ بصمام الأمان الذي حافظ على التوازن الاجتماعي لعقود.
أزمة الثقة وفشل ممثلي الشعب …
لا بد من قول كلمة الحق التي يتردد الكثيرون في نطقها: إن الشعب الأردني اليوم لا يثق بمجلس النواب؛ فقد أثبتت التجارب المتكررة أن “القبة” التي كان يُفترض أن تكون حصناً للمواطن، غالباً ما تميل حيث تميل الحكومة عند المفاصل الحقيقية والقرارات المصيرية.
إن فقدان الثقة في المؤسسة التشريعية -رغم وجود نواب يتلمسون نبض الشارع ويقفون بصفه على الدوام- يجعل من تمرير هذه التعديلات عبر البرلمان بمثابة “فرض أمر واقع” يفتقر للشرعية الشعبية والرضا الاجتماعي، ويزيد من فجوة الاغتراب بين المواطن ومؤسساته.
دعوة للحكمة ونزع فتيل الانفجار
إننا ومن دافع الحرص على أمن واستقرار هذا الوطن، ندعو وبكل وضوح الحكومة إلى سحب مشروع القانون المعدل فوراً.
إن المطلوب اليوم هو “وقفة مراجعة” شاملة، تبحث عن حلول لتحديات الاستدامة بعيداً عن جيوب الكادحين، وتُشرك الخبراء في حوار وطني شفاف يضع النقاط على الحروف.
إن الإصرار على هذه التعديلات في ظل الظروف الراهنة هو بمثابة “فتيل” قد يشعل ناراً من الغضب الشعبي الذي لا نحب لوطننا أن يكتوي بها.
الالنداء الأخير.. إلى سدّة العرش الهاشمي…
وعليه، وبعد أن خبرنا أن الحكومات لا تتراجع من تلقاء نفسها عن مشاريع قوانينها التي تؤثر على مستقبل الأردنيين، وبعد أن صمّت الحكومات المتعاقبة آذانها فانقطعت السبل بالتواصل مع مسؤولين لا يسمعون إلا صدى أصواتهم، وبرلمانٍ غاب في معظمه عن هموم ناخبيه، فإن آمال الأردنيين اليوم معقودة على جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
إننا نتطلع إلى تدخل ملكي سامٍ يضع حداً لهذا التغول الحكومي، ويعيد ضبط الإيقاع بما يضمن حقوق الأجيال ويحفظ كرامة المتقاعدين.
إن جلالة الملك، وهو القريب دوماً من نبض شعبه وآلامهم، هو الملاذ الأخير لنزع فتيل هذه الأزمة وإعادة الأمور إلى نصابها، حمايةً للأمن الاجتماعي والاقتصادي، وصوناً للأردن من مغامرات اقتصادية غير محسومة العواقب.
خاتمة ودعاء،،،
فيا ربّ هذا الوطن، ويا سامع الصوت ومجيب الدعاء..
اللهم إنا نستودعك أردننا، أرضاً وشعباً، من كل مكرٍ يُحاك لأرزاق الناس، ومن كل تغوّلٍ يمس كرامة الكادحين.
اللهم اكفِ شعبنا شرّ الضيق والفاقة، وألهم ولاة أمرنا الرشاد والحكمة للوقوف في وجه كل باطل يمسّ “تحويشة العمر” وقوت العيال.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً، واحفظه من كيد العابثين بمقدراته، ومن سوء تدبير المتربصين باستقراره.
اللهم انصر الحق وأهله، ووفق جلالة الملك لما فيه خير البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير.
حفظ الله الأردن الغالي، قيادةً وشعباً، من كل شر ومكروه.. آمين يا رب العالمين.


