وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
خلف الستار الصاخب لزينة رمضان وفوانيسه الملونة، تدور عجلة هائلة من “اقتصاديات العطاء الصامت”، وهي منظومة اقتصادية واجتماعية فريدة لا تخضع لقوانين السوق التقليدية، بل تدار بمحرك “البركة” والرغبة الفطرية في التكافل. في كل حي وزقاق، تنبت “موائد الرحمن” ليس فقط كفعل إطعام، بل كمؤسسة لوجستية متكاملة تقوم على أكتاف جنود مجهولين آثروا البقاء خلف الكواليس. تبدأ الحكاية قبل آذان المغرب بأسابيع، حيث تنشط شبكات غير مرئية من المتطوعين والمانحين الذين يديرون موارد ضخمة دون انتظار عائد مادي أو حتى “شكر” علني. هذا الاقتصاد الصامت يعتمد في جوهره على “تمويل الأمل”، حيث تتحول المدخرات الشخصية البسيطة والصدقات العشوائية إلى وجبات منظمة تصل إلى الآلاف يومياً، في مشهد يكسر حدة الطبقية ويجعل الغني والفقير والمسافر وعامل البناء يجلسون على مائدة واحدة تحت شعار “الرزق الواسع”.
إن ما لا يتحدث عنه الكثيرون هو تلك “الهندسة اللوجستية” التي تسبق وضع أول طبق على المائدة؛ فهناك أمهات في بيوتهن يطبخن كميات هائلة طوال النهار لإرسالها لموائد الرحمن دون أن تظهر أسماؤهن على لافتة، وهناك شباب يقضون ساعات بالبرد لتنظيم الصفوف وتوزيع التمر والمياه عند إشارات المرور، محولين الشوارع إلى “مطاعم مفتوحة” في ثوانٍ معدودة. هذه الديناميكية تخلق دورة اقتصادية “موازية”، تنعش الأسواق المحلية وتدعم صغار التجار، لكنها تظل مغلفة بالخصوصية والسرية، فالهدف ليس “الاستعراض” بل الحفاظ على كرامة الآخذ. في هذا السياق، يتجلى مفهوم “البركة” كمتغير رياضي غير ملموس؛ حيث تكفي الوجبات دائماً مهما زاد العدد، وتتوسع الموائد لتستوعب الجميع في تناغم عجيب يتحدى التوقعات الإحصائية. إن اقتصاد العطاء الصامت هو في الحقيقة “رئة” المجتمع التي يتنفس من خلالها قيم التراحم، وهو البرهان العملي على أن رأس المال الحقيقي ليس في البنوك، بل في تلك القلوب التي تجد لذتها في إطعام الآخرين، تاركةً خلفها أثراً يبقى طويلاً بعد انقضاء الشهر الكريم، دون أن تترك اسماً أو صورة، مكتفيةً بابتسامة صائم وعودة آمنة لعابر سبيل.

