وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتبة مي صالح
الشغف في الكتابة ليس مجرد حروفا ترص على سطور الكتاب ، ولا أفكارا تسكب على أوراق الحياة ، بل هو شغف بروح نابضة تبحث عن معنى يشبع شغف صاحبها ، قد تتمثل في الشعور برعشة تثلج الصدر عند نجاح الكاتب في إصابة الكلمات والأفكار بعدما ضاق القلب وضيق على قلبه العالم ، فيمد يده إلى اليراع ( القلم ) مستنجدا به كسلاح يخرجه من عتمة المعنى إلى نور الإفصاح عنها على سطور صفحات قلبه فيزيح عن قلبه ثقل ما حمله من كلمات وعبارات ضاق بها صمت قلبه .
فالشغف في الكتابة ليس ترفا فكريا فقط ولا مجرد عادة مؤقتة وعابرة ؛إنه نار خفية بين ثنايا القلب ، تسكن أعماق الفؤاد ، فإذا اشتعلت أثارت حفيظة الحنين وأضاءت ميالك الروح ، وإذا خمدت خبا معها نبض الحياة عند الكاتب ليبقى جسدا دون روح فيموت وهج روحه رويدا رويدا .
في زمن السلم ، يكون الشغف ممزوجا عند الكاتب بنقاء التأمل وصفاء هدوئه ، هنا تكون الكتابة مرآة السكينة والطمأنينة، وهو يبحر بقلمه بسلام ، فقد تجد الكاتب يجلس إلى نافذته ، يتأمل الأفق ويصغي إلى همس قلبه والأشياء الجميلة من حوله ، فرحا بمحيط حياته التي تستحق أن تروى ، فينبهر ويبهر من يتابعه بانسياب نصوصه التي هي كنسيم عليل يلامس كل عاشق للكلمة ، لأن من نثرها فنان بريشته ، الذي يتفنن برسم ملامح الحب والسلام فيؤنس بتفاصيل زمانه الصغيرة ويسهب حتى تتعملق حبا وشوقا في قراءتها من قبل القراء بسبب قلمه المحلق في الهواء ، كريشة يقلّبها الهواء بحب وسكينة .
لكن عندما تندلع الحرب، يتغير ايقاع الحروف وتتبدل ألحان السمفونية التي كانت تتصف بالحروف الراقصة فرحا بلحن الحياة ، لتتحول إلى دراما حزينة لا لحن لها غير لحن البقاء .
في الحرب لا شغف يكتب بروح الرفاهية والفرح ، بل تغدو رسالة يجب أن تؤدّى في نثر الحقيقة على صفحات التاريخ، ونصوصا أدبية تعكس واقع الحرب لتكون شهادة وشاهدا على العصر والتاريخ ، وصرخة في وجه الظلم والنسيان ، فقد تجد الكاتب مثقلا غير قادر على التحليق كما في السلم ، لا لأن الحبر نفد ، بل لأن الألم والحزن قد فاض بما يشهده من قتل ودمار وظروف صعبة تحت صوت المسيرات والصواريخ وصافرات الإنذار وما يحيط بسطوره من ظلم ، فتصبح كل جملة موقفا أخلاقيا ومنهجا ثابتا كي يرسخ الحقيقة وسط الأكاذيب المطروحة ، ولكي لا تُمحى وجوه الأبطال من الذاكرة والأهم ، كي لا يتحول كل هذا المشهد والشهداء إلى مجرد رقم في نشرة الأخبار .
في الحرب يُعرف الكاتب المخضرم ، لأنه يكتب من رحم المعاناة لتبقى كلماته حية وسط الرماد، وقوية وسط الضعف ، ووحشا كاسرا أمام العدو التي بحروف نبض كلماته لن تموت الحقيقة أبدا ، وبالكلمة المخلصة في حق ما يراه القلب قبل العين سيصمد لا محالة أمام ضجيج المدافع وخذلان من خذل ، وقد تتشقق الصفحات بسبب الشظايا الغادرة ، لكن المعنى يظل نابضا ، لأن شغف الكتابة في جوهره ايمانا بأن للإنسان صوتا يجب أن يُسمع ، حتى لو ارتجف قلمه من توالي الضربات .
فما بين السلم والحرب ، قد تتبدل نبرة القلم ولكن ، لا ولن ينطفئ شغفه . كما في السلم ، يكتب القلم ليزهر العالم ، وفي الحرب ، يكتب كي لا ينطفئ وتموت الحقيقة . ففي الأولى يحتفي بالحياة ، وفي الثانية يدافع عنها بكل جوارح حروف نبض قلبه . وبين ذلك وذاك يبقى الكاتب شاهدا لا يساوم ، وحارسا للمعني لا ينام أو يغفل.
فالشغف نبض صادق للذين يؤمنون أن الحرف يمكن أن يكون سلاحا أقوى من كل القذائف و البوارج ، ووطنا يستحق لأجله أن يجاهد لأجله ، فالنص إذا كتب بنبض الروح الصادقة صار حصنا منيعا لا يستطيع أحد المساس بقدسية سطوره ، وأن الكلمة مهما حاصرها دخان الحرب قادرة على أن تفتح نافذة في جدار الحرب وتُخرج منها كل الصمت العالق تحت الركام لينال السواد والدمار قليلا من ضوء السلم .
وفي السلم، نصادق ونتغنى بالفكر والكلمات لأننا نملك فسحة الوقت الآمن ، نبدع بكتاباتنا بأن نتتقل بين الفلسفة والشعر ، بين التاريخ والرواية ، كما يتنقل الطائر بين أغصان الشجر ، لا خوف يلاحقنا ولا قلق يخطف حروفنا ، بل يتجلى الشغف كترف ، في طمأنينة تصنع من الانسان كاتبا فتهذب وجدانه ، وتحرك مشاعره المتفائلة بالأمل بينما حين تعصف الحروب ، ويتلاشى الأمن والأمان على أرصفة الطرق ، يتحول الشغف من ترف إلى ضرورة ملحة يجب أن يشحنها الكاتب لتنبثق منه روح المقاومة وذلك لنحفظ ما تبقى من انسانيتنا وكرامة صفحاتنا ، لتخرس كلماتنا أصوات المدافع وتبقى سطورنا الصادقة أعلى من أزيز الرصاص ليتجلى الشغف بالكتابة بتجسيده الصمود ، وروحا أقوى من الفوضى والدمار .
وأخيرا وليس آخرا ، الأمم التي تعشق الكتب في السلم ، تحسن الاحتماء بها في الحرب ، والقلوب التي تتربى على عشق الحرف والمعنى ، لا تنكسر بسهولة أمام أشرس العواصف .
وهكذا يبقى الشغف جسرا بين زمنيين :
زمن نحيا فيه ونتنوع بالكتابة بجميع الأجناس الأدبية بفرح وطمأنينة ، وزمن نقاتل فيه كي نحيا ، وتكون الكتابة ضرورة حتمية مرهونة بالواقع المحيط بالكاتب ، وفي الحالتين ، تظل الكلمة هي الوطن الذي لا يمكن لأي أحد أو شيء أن يحتله ، والملاذ الذي لا يسقط ، والنور الذي لا تنطفئ شعلته ، مهما امتد صمت السلم أو طال ظلام الحرب ، لنكتب تاريخنا بالحبر لا بالدم .
وكم أنا ممتنة لذلك الشغف الذي كان سببا في إصدار كتابي بعنوان ” شهقات ثائرة ” الذي وضعت على صفحاته الكثير من الوقائع والحقائق التي حدثت بالفعل في الحرب ، تنوعت فيه الأجناس من القصص والمقالة والشعر وكذلك الخاطرة ، وأغلب النصوص كانت بالفعل على لسان أصحابها من وسط الحدث ، ولا انسى ما قادني إليه الشغف في أن احتوي الاناشيد الوطنية والثورية القديمة في أحد زوايا الكتاب ، لتبقى تدق في ناقوس الذكريات ويتداولها الأجيال ، جيل بعد جيل .
فلا روح لكتاباتنا دون شغف ، ولا نبض يبلسم حروف الكاتب ليزيدها جمالا دون ذلك الشغف .
أدام الله شغف كل كاتب .
ودام نبض كلماتنا لتصبح درعا خفيا نحتمي بها أمام هول ما فاض به القلب من عبارات مكبوته وانكسارات أمام ما خلفته الحرب في حياة كل كاتب .
بقلم الكاتبة مي صالح

