وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره
في منتصف شهر رمضان المبارك، حيث تتنزل الرحمات وتتوق النفوس لنيل شرف المغفرة، ندرك أن جوهر الصيام لا يكتمل إلا بفيض الإحسان الذي يتجاوز حدود الذات ليشمل كل كبد رطبة تشاركنا هذا الوجود. إن العبادة في هذه الأيام العظيمة ليست محصورة في محراب الصلاة أو تلاوة الآيات فحسب، بل هي اختبار حي لمدى رقة قلوبنا تجاه ضعف خلق الله؛ فالحيوانات التي تجوب شوارعنا جائعة هي أمانات في أعناقنا، وإطعامها في هجير الصيام أو في برد الليل هو تجسيد لقوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم”، فهي أمم تسبح الله وتستحق منا العطف والرعاية كجزء من واجبنا الإيماني. لقد علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن الرحمة كلٌ لا يتجزأ، وأن نيل الجنان قد يعتمد على سقية ماء لحيوان يلهث، حين قال: “في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ”، بل وأخبرنا عن غفران الذنوب العظام برحمة قُدمت لكلب عطشان، فكيف بنا ونحن في شهر تضاعف فيه الأجور وتفتح فيه أبواب السماء؟ إن إطعام هذه الكائنات الصامتة في أيام الصيام هو أسمى تعبير عن شكر النعمة، فبينما ننتظر نحن ساعة الإفطار بموائدنا العامرة، هناك أرواح لا تملك صوتاً تطلب به كسرة خبز أو شربة ماء. لنرسم برحمتنا لوحة إيمانية تليق بمنتصف هذا الشهر الفضيل، ولنجعل من إطعام حيوان ضال خبيئة صالحة بيننا وبين الله، متذكرين دائماً قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، فربما تكون دعوة صامتة من كائن ضعيف هي المنجية لنا في يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح والقلب الرحيم.

