وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره
بين “رمضان زمان” و”رمضان الديجيتال” مسافة شاسعة، لم تقطعها السنوات فحسب، بل قطعتها عدسات الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي. قديماً، كان لرمضان “رائحة” تفوح من مطابخ الجارات، و”صوت” يجمع العائلة حول مائدة واحدة لا يشغلها شاغل، أما اليوم، فقد أصبح للشهر الفضيل “فلتر” خاص، وإضاءة مدروسة، وزوايا تصوير يجب أن تكون مثالية قبل أن يبدأ أول “غطس” للملعقة في الطبق. لقد تحولت مائدة الإفطار من مكان للقاء والسكينة إلى “استوديو” تصوير مصغر؛ فلم يعد السؤال الأهم “هل الطعام لذيذ؟”، بل “هل تبدو السفرة متناسقة على ستوري الإنستغرام؟”. ننتظر الأذان لا لنروي عطشنا، بل لنلتقط تلك الصورة المثالية، بينما يبرد الطعام وتفتر حرارة اللمة الصادقة، وكأننا استبدلنا الاستمتاع باللحظة بهاجس توثيقها، لنثبت للآخرين أننا نعيش طقوساً مثالية ، في زمن “الترند”، دخلت البيوت في سباق غير معلن؛ مَن سفرته أفخم؟ مَن زينة بيته أكثر إبهاراً؟ هذا الضغط الاجتماعي الخفي جعل من رمضان عبئاً جمالياً على البعض، وحوّل اللمة البسيطة التي كانت تكتفي بطبق واحد وحكايات دافئة، إلى استعراض للقدرات والبرستيج. ضاعت بساطة “صحن السكبة” بين الجيران، وحلّت مكانها فيديوهات “التجهيزات” التي قد تشعر البعض بالنقص بدلاً من البهجة. إن جوهر رمضان هو الخلوة مع النفس والتقارب الحقيقي مع الأهل، لكن “الترند” يفرض علينا العلنية في كل شيء؛ فزحام المسلسلات، وتنبيهات الهواتف التي لا تهدأ، وصور العزائم الباذخة، كلها ضجيج يحجب عنا صوت الروح وهدوء الصيام. صرنا نبحث عن “اللايك” والتعليق الجميل على صورة الفانوس، ونسينا أن نبحث عن السكينة في عيون من يجلسون معنا على نفس الطاولة ، ليس العيب في التكنولوجيا ولا في توثيق الذكريات، لكن الخطر يكمن في أن نتحول إلى جمهور في حياة بعضنا البعض بدلاً من أن نكون عائلة. رمضان فرصة حقيقية لنضع هواتفنا جانباً، لننظر في وجوه أحبتنا، لنشعر بطعم الأكل وهو ساخن، ولنستعيد تلك اللمة التي لا تحتاج إلى إنترنت لتكون قوية ، بل تحتاج فقط إلى قلوب حاضرة تستشعر قيمة الوقت قبل أن يمضي.

