مؤشرات الحرب

dawoud
6 Min Read


وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم : جوزيف عبد الرحمن / فرنسا- باريس
أكبر حرب شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات، والتي تدور الآن في إيران المجاورة، تكشف بالفعل عن مجموعة جديدة من نقاط الضعف في العراق.
وتظهر مؤشرات على اتساع نطاق الصراع: ففي 23 مارس، استهدفت ضربات أمريكية مقر قوات الحشد الشعبي في الموصل.
ومع ذلك، فإن نفوذ إيران في العراق يتجاوز بكثير الحشد الشعبي، إذ يمتد عبر شبكات سياسية ودينية واقتصادية، مما يجعل خطر المزيد من التصعيد أمرًا واقعيًا للغاية. وقد يجد العراق نفسه مرة أخرى عالقًا في صراع القوى الكبرى، مع عواقب قد تستمر إلى ما بعد انتهاء الحرب في إيران نفسها.

في الوقت نفسه، فإن أي تراجع في قبضة طهران لن يخلق فراغًا طويل الأمد. فالمملكة العربية السعودية، التي وسّعت بالفعل نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط من خلال صفقات استثمارية، تستعد للمطالبة بالمزيد من العراق أيضًا. وهذا يحمل معه مخاطر مرتبطة بأجندتها الأيديولوجية المتشددة، القائمة على العقيدة الوهابية وعدم التسامح مع المنافسين على قيادة العالم الإسلامي.

- Advertisement -

اتبعت السعودية نهجًا طويل الأمد لإضعاف العقائد الأيديولوجية المنافسة لإيران وتوسيع نفوذها في المنطقة. وربما كان نفوذ إيران من الأكثر تأثيرًا في العراق. وبالاعتماد على أغلبية شيعية وقرب جغرافي، قامت إيران ببناء شبكة واسعة من الحلفاء داخل المؤسسة الدينية العراقية، والنظام السياسي، والأجهزة الأمنية، والميليشيات المستقلة، إضافة إلى علاقاتها الاقتصادية وقطاع الطاقة. وهذه الشبكات هي التي تضع العراق على الأرجح في صدارة أولويات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد الحرب.

لقد توسعت العلاقات الثنائية بين السعودية والعراق بشكل كبير في عهد محمد بن سلمان، إلا أن الرياض لا تزال بعيدة عن إزاحة طهران من موقع نفوذها في العراق، وهو ما يثير استياء ولي العهد. وإذا نجت شبكات الدعم المرتبطة بإيران من الحرب، بل وحتى من احتمال سقوط الجمهورية الإسلامية، فقد يشن محمد بن سلمان حملة قوية ضدها، كما فعل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن عام 2015. فقد قاد حينها سياسات عسكرية أدت إلى تدمير واسع لليمن، دون أن تنجح في القضاء على الحوثيين الذين لا يزالون نشطين حتى اليوم. ويبدو أن هذه الإخفاقات لم تكن كافية لاستخلاص الدروس، وأن اتباع نهج مشابه في العراق قد يؤدي إلى كارثة.

كما تبدي الولايات المتحدة حذرًا من العلاقة بين إيران والعراق. ومؤخرًا، أصدرت واشنطن تحذيرات صريحة بشأن عودة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، إلى الساحة السياسية، إذ كان يُعد من أبرز ممثلي المصالح الإيرانية في بغداد. وعلى مدى سنوات، سعى العراقيون إلى الحد من تدخل طهران في شؤونهم الداخلية وبناء منطقة عازلة تحمي البلاد من تداعيات مثل هذا الصراع. لكن الالتزامات الأيديولوجية أصعب في التفكيك من القدرات العسكرية، كما اكتشفت واشنطن، واستمرار ولاء أنصار النظام الإيراني يشير إلى أن الصراع الإقليمي قد يكون في بدايته فقط.

هناك خطر حقيقي من أن تتحول المواجهة مع الجمهورية الإسلامية وشبكاتها إلى صراع إقليمي قائم على أسس طائفية، وهو سيناريو شهدته المنطقة مرارًا. وقد يعيد ذلك العراق إلى فترة ما بعد 2003 المضطربة للغاية، مع تصاعد التنافس الأيديولوجي، خاصة المرتبط بالوهابية التي تروج لها السعودية.

بعد الإطاحة بصدام حسين عبر التدخل العسكري الأمريكي، وبدء عملية بناء دولة جديدة، أدى الفراغ السياسي الحاد إلى فتح المجال أمام صعود نفوذ إيران، وكذلك إلى منافسة أوسع على السلطة بين عدة ميليشيات. وأعقب ذلك صراع طائفي حاد، يُعتقد أن السعودية ساهمت في تأجيجه.
وعلى مدى أكثر من عقدين قبل حرب العراق، كانت الرياض تعتبر الجمهورية الإسلامية المنافس الرئيسي لها.
وردًا على ذلك، عملت على نشر الوهابية، من خلال تمويل بناء المساجد والمراكز الدينية في المنطقة وخارجها.

وقد جذبت المبادئ الصارمة والمحافظة للغاية للوهابية عددًا من الجماعات المتطرفة.
وتزامن تأسيس تنظيم القاعدة في العراق عام 2004 وتنظيم الدولة الإسلامية عام 2006 مع تدفق مقاتلين أجانب من السعودية، وانتشار أفكار سنية متشددة دعمتها الرياض. وأسهم ذلك في بروز شكل متطرف وعابر للحدود من الإسلام. كما ترسخت أعمال العنف المتطرفة ضد الشيعة في العراق، مع مجازر واضطهاد استمر لسنوات.

وقد ساهم بعض رجال الدين السعوديين بشكل مباشر في هذه الانتهاكات من خلال إصدار فتاوى قائمة على تفسيرات متشددة للإسلام، وصلت إلى حد تكفير الشيعة والحكم عليهم بالموت. ورغم أن كثيرًا من العراقيين يرغبون في إنهاء النفوذ الإيراني، فإن ذكريات العقد الأول من الألفية تجعلهم حذرين من صعود نفوذ سعودي بديل. وباعتبار السعودية المرشح الأبرز لهذا الدور، فإن العراقيين ينظرون بعين الريبة إلى أي محاولة لتوسيع محور تقوده قوى سنية.
وفي حال غياب إيران قوية، قد يسعى محمد بن سلمان إلى فرض هيمنة كاملة على المنطقة.
وكما أظهرت التجربة مرارًا، فإن التدخلات الأجنبية لم تجلب الاستقرار للعراق.
سواء كانت الضربات الأمريكية أو الطموحات السعودية لمواجهة ما يسمى “الهلال الشيعي”، فإن مصالح العراق السيادية لم تكن في الحسبان.
وعلى العراقيين أن يجدوا طريقهم الخاص لمواجهة التطرف داخليًا وخارجيًا إذا أرادوا الحفاظ على سيادتهم — أو بنائها فعليًا لأول مرة بشكل حقيقي.
وإلا، فقد تصبح السعودية ومحمد بن سلمان الجهة التالية التي سيواجهها العراقيون في صراعهم من أجل السيادة.

Share This Article