كثيراً ما نُردّد في مجالسنا، ونحن نُراقب تراجع الأنقياء وأصحاب المبادئ عن تصدر الصفوف، عباراتٍ نُمني بها النفس من قبيل: “إنه مجرد فقدان للشغف” أو نتلمس لهم الأعذار قائلين: “هي استراحة محارب لا أكثر”.
ولكن، دعونا نعترف بمرارة وصدق، ونحن نُمعن النظر في قتامة المشهد العام وتفاصيله الموجعة؛ أننا لم نعد أمام حالة مؤقتة من فقدان الشغف، ولا هي استراحة محارب سيعود بعدها ليمتشق حسام الحق.. الحقيقة العارية أن المعطيات قد تبدلت لتُنتج لنا معادلة قاسية: فقدان شغف + استراحة محارب = فقدان المحارب نفسه!
نعم، نحن اليوم أمام مأساة “فقدان المحارب”؛ ذاك الفارس الذي لم تكسره شراسة المعارك ولا ثِقل المواقف، بل كسره انحطاط الساحة وانقلاب الموازين.
كيف لا ينسحب المحارب الشريف من الميدان، وقد أصبح الشعار الرسمي والعنوان الأبرز لهذا المشهد العام “القاتم” على لسان المسؤولين السابقين: “بِقِلّ قيمتك”؟!.. اليس هذا تراجعا مُحزناَ عن قِيم الحوار والرأي والرأي الاخر مع من يخالفونهم الرأي حتى ولو كانوا خارج الحدود ؟؟!!! هل هذه هي الصورة التي نريدنها ان تنطبع عن مسؤولينا وقد كنا سادة في الدبلوماسية المنضبطة ؟؟!!
في زمنٍ تتصدر فيه الرداءة، وتُغتال فيه الكفاءات، وتتسيّد فيه التفاهة والمصالح الضيقة، يجد صاحب الكلمة الحرة والموقف النبيل نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ:
إما أن ينخرط في صراعٍ مع طواحين هواء في ساحاتٍ ملوثة لـ “يُقلّل قيمته” في جدالات عقيمة مع من تصدروا المشهد غفلةً، أو أن يعتزل المشهد برمته ليحفظ ما تبقى من كرامته، وكرامة تاريخه ومبادئه.
ورغم كثيرٍ من المواقف ” المُحبِطة ” التي مررتُ بها في العقود الماضية من عمري؛ إلا أنه، ولأول مرة، يتسلل إليّ هذا الشعور المخيف بحق وحقيقة: “أننا أصبحنا غرباء في وطننا الغالي!”.
إنها غُربة القابضين على جمر المبادئ في زمن التنكر لها، وغربة الصادقين في ساحاتٍ ضاقت بأهلها لتتسع للطارئين.
الانسحاب هنا ليس جُبناً ولا هزيمة، بل هو صرخة احتجاج صامتة في وجه واقعٍ مريض.
فقدان المحارب اليوم هو أشد ضراوة من خسارة المعركة ذاتها، لأن الأوطان لا تُبنى ولا تُحمى بفاقدي الهوية واللاهثين خلف المكاسب، بل تُبنى وتُحمى بفرسانٍ أُجبروا على الترجل حين أدركوا أن الاستمرار في وحل المشهد الحالي.. مضيعة للوقت، وانتحارٌ للمبادئ، وبكل بساطة لانه: “بِقِلّ قيمتهم”.
اللهم هيء لنا من أمرنا رشدا 🤲

