وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره
تُبنى الأوطان من لبنات الأسر، فإذا استقامت الأسرة استقام المجتمع، وإذا تآكلت من الداخل تآكل معها مستقبل جيل بأكمله، فنحن اليوم لا نتحدث عن فقر مادي أو ضيق ذات اليد، بل نتحدث عن “الفقر القيمي” والتشوهات المسلكية التي تجعل من العائلة، بدلاً من أن تكون درعاً لحماية أطفالها، خنجراً يغرس في براءتهم بجرائم يندى لها الجبين ولا يقبلها عقل أو دين. إن ما نسمعه أحياناً من حالات يضيق بها الصدر في مجتمعنا، من انتهاكات جسدية وجرائم زنا محارم تقع داخل جدران البيت الواحد، يضعنا أمام مواجهة حتمية مع واقع مؤلم؛ حيث تتحول الأمانة إلى خيانة عظمى، وحيث يغدو الأب الذي يُفترض به أن يكون الحارس هو الجاني، أو تتحول رابطة الزوجية الثانية للأم إلى فخ لفتياتها حين تغفل العين عن ذئب بشري يتربص بهن تحت سقف واحد، وهذا انحدار يتجاوز المعصية ليدخل في باب الكبائر التي تخالف الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
ومن الناحية الأمنية والقانونية، فإن يد العدالة في الأردن لا تتهاون مع هذه الفظائع، إذ ينظر القانون لهذه الأفعال بوصفها جنايات كبرى مغلظة العقوبة، خاصة عندما تقع من الأصول (الآباء) أو من يتولون الرعاية، فتصل العقوبات فيها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وفي حالات معينة قد تلامس الإعدام إذا اقترنت بظروف مشددة، فالمجرم الذي ينتهك محارمه لا يواجه نبذاً مجتمعياً فحسب، بل يواجه حكماً قضائياً يهدف إلى استئصال شره من نسيج المجتمع. إن هذه الصرامة الأمنية هي الرد الطبيعي على تحطم مفهوم “الثقة المطلقة” الذي يكسر نفسية الضحية، فالطفل أو الفتاة الذين يتعرضون للانتهاك من أقرب الناس إليهم يعانون من تدمير كامل للهوية، مما يولد شخصيات مضطربة قد تنعكس آثارها المدمرة على المجتمع بأسره ما لم يتم الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء للدين والقانون.
وهنا تبرز إشكالية العادات والتقاليد التي نعتز بها، حيث يُساء أحياناً فهم مفهوم “الستر” ليصبح غطاءً لجرائم بشعة ترتكب بحق الضعفاء، فالصمت عن المعتدي داخل العائلة بحجة الفضيحة هو الجريمة الحقيقية التي تمنح المجرم فرصة للتكرار وتمنحه الأمان لمواصلة غيّه، بينما التقاليد الحقيقية هي التي تحمي الضعيف وتنصر المظلوم وتطهر البيت من دنس الأفعال المشينة. إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الوالدين في اليقظة والرقابة؛ فالخلل يبدأ من غياب الوازع الأخلاقي واختلاط المفاهيم، ومن ثم ينتهي بكوارث اجتماعية وأمنية تزلزل أركان الدولة. إننا اليوم بحاجة ماسة لتفعيل الوعي التربوي وتشجيع التبليغ عن هذه التجاوزات دون خوف، فالبيت الذي يهدم أبناءه لا يمكن أن يبني وطناً، والأمان الحقيقي ليس جدراناً وأبواباً موصدة، بل هو قيم تُزرع، وقوانين تُنفذ بحزم، وقلوب تخاف الله في براءة الصغار وعفة النساء، ليبقى مجتمعنا الأردني حصيناً ومنيعاً كما عهدناه دائماً.

