وكالة تليسكوب الإخبارية | لما شطاره
في مجتمعنا الأردني الأصيل، لم يكن إطعام “قطة جائعة” أو “طير سبيل” يوماً نوعاً من أنواع الرفاهية أو الترف، بل هي ثقافة متجذرة تعكس نبل النفس والرحمة التي تربينا عليها، إلا أن الواقع الحالي، في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار أطعمة ومستلزمات الحيوانات، بات يضع أصحاب القلوب الرحيمة أمام تحديات قاسية، تحول بين الإنسان وبين رغبته الفطرية في كسب الأجر والإحسان ، إن النظر إلى مستلزمات الحيوانات كسلع “كمالية” أو ترفيهية هو تقدير يحتاج إلى إعادة نظر عميقة، فالشخص الذي يقتطع من مصروفه الشخصي وقوت يومه ليطعم عدداً من القطط الضعيفة أو يعالج حيواناً جريحاً، ليس بالضرورة شخصاً ميسوراً يبحث عن المظاهر، بل هو في الغالب مواطن بسيط، يسعى لسد رمق كائنات لا صوت لها ولا حيلة، هؤلاء الأشخاص هم في الحقيقة “جنود خفاء” يساهمون في التوازن البيئي والمجتمعي، ويحمون الشوارع من انتشار الأمراض من خلال العناية بهذه الكائنات وتوفير الغذاء لها بما يمنعها من البحث في النفايات ، يواجه المعتنون بالحيوانات في الأردن ضغوطاً مادية كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الأطعمة الجاهزة والمستلزمات الطبية، والتي تخضع لضرائب وتكاليف استيراد تجعلها تفوق القدرة الشرائية للكثيرين ، ولم يقتصر الأمر على المربي والمنقذ فحسب، بل امتد الأثر ليصل إلى التجار الذين باتوا يتذمرون من ثقل الأعباء الضريبية المفروضة عليهم، والتي أثرت على نشاطهم بشكل مباشر، وجردتهم من قدرتهم على تقديم “سعر الجملة” أو الخصومات التفضيلية التي كانوا يمنحونها سابقاً لدعم المنقذين، مما أغلق باباً من أبواب التكافل التي كانت تخفف من حدة الأزمة ، ومن هنا تنبثق مناشدة إنسانية رقيقة موجهة للجهات المعنية، بضرورة إعادة النظر في الرسوم والضرائب المفروضة على هذه السلع، ليس من منظور تجاري، بل من منظور إنساني بحت، إن تخفيض هذه التكاليف سيسهم بشكل مباشر في تخفيف العبء عن كاهل الأسر والأفراد الذين يأوون أعداداً من الحيوانات المشردة والضعيفة، والذين يقومون بمهمة إنسانية تطوعية تخدم المجتمع ككل ، إن الحنان والرحمة لا ينبغي أن يكونا سبباً في إرهاق كاهل المواطن بالديون أو الضيق المادي، فمن يملك قلباً يتسع لقطط الشارع الضعيفة يستحق أن يجد بيئة اقتصادية تسنده وتساعده على الاستمرار في عمل الخير، لا أن يجد نفسه مضطراً للاختيار بين تأمين احتياجاته الأساسية وبين إطعام كائن جائع يتألم بصمت، فالرفق بالحيوان هو وجه من وجوه الحضارة، وتسهيل سبل هذا الرفق من خلال خفض الأسعار والضرائب هو رسالة أخلاقية تؤكد أن مجتمعنا يراعي الضعيف ويدعم الإنسان الرحيم الذي يدفع من جيبه الخاص ليصنع فرقاً في هذا العالم.

