ما الذي يحدث داخل الضمان الاجتماعي؟.. الطراونة يفتح النار : رد معالي وزير العمل تضمّن معلومات مضللة، وأرقامًا غير دقيقة، ومحاولات متكررة لاختزال تجربة فنية ومؤسسية متقدمة وكأنها مجرد عملية “تزويد بيانات” لخبراء خارجيين أجانب

dawoud
8 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية

- Advertisement -

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم: د. محمد صالح الطراونة- زميل جمعية الاكتواريين الأمريكية/ المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي

تابعت باهتمام بالغ رد وزير العمل على سؤال سعادة النائب أندريه الحواري، رئيس لجنة العمل النيابية، بشأن الدراسات الاكتوارية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وأجد نفسي مضطرًا لمخاطبة الجميع مباشرة، لأن القضية لم تعد مجرد اختلاف في الرأي، بل أصبحت تمس سلامة القرار الفني داخل واحدة من أهم المؤسسات الوطنية في الدولة.

وللأسف، فإن رد معالي وزير العمل على سؤال سعادة رئيس لجنة العمل النيابية لم يكن دفاعًا عن مؤسسة وطنية بحجم وأهمية الضمان الاجتماعي، بل جاء استمرارًا لمحاولة التقليل من قيمة العمل الاكتواري الأردني، وتهميش الجهد الفني الذي قامت به كوادر المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي على مدى سنوات طويلة.

الأخطر من ذلك أن رد معالي وزير العمل تضمّن معلومات مضللة، وأرقامًا غير دقيقة، ومحاولات متكررة لاختزال تجربة فنية ومؤسسية متقدمة وكأنها مجرد عملية “تزويد بيانات” لخبراء خارجيين أجانب.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

المشكلة ليست خلافًا شخصيًا مع معالي وزير العمل، بل نهجًا خطيرًا ينتهجه معاليه في التعامل مع المؤسسات الفنية، حيث يقوم هذا النهج على تهميش الخبرة الوطنية والتدخل في ملفات شديدة الحساسية دون فهم حقيقي لطبيعتها الفنية.

لقد سبق أن حذّرت دولة رئيس الوزراء الأكرم، قبل أكثر من عام، من خطورة هذا النهج، ومن خطورة تدخل وزير العمل في قضايا اكتوارية وفنية لا تقع ضمن اختصاصه المهني، والتعامل معها بعقلية الانطباعات الشخصية بدلًا من المعايير المؤسسية والعلمية.

واليوم، يؤكد هذا الرد الرسمي (رد الوزير على سؤال رئيس لجنة العمل) أن المشكلة لم تتراجع… بل تعمّقت.

من أغرب ما ورد في رد الوزير إصراره المتكرر على القول إنه “لا يوجد سجل” لخبراء اكتواريين أردنيين قاموا بإعداد دراسات لدول أخرى.

والسؤال هنا: ماذا يعني ذلك أصلًا؟

وهل أصبحت خدمة الدول الأخرى شرطًا لخدمة الوطن؟

في أي دولة محترمة في العالم، يقوم الخبراء المحليون بخدمة أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية في بلدانهم أولًا. لا أحد في الولايات المتحدة مثلاً يسأل الخبير الأمريكي: “كم دولة أجنبية خدمت قبل أن تعمل لصالح أمريكا؟” ولا أحد في بريطانيا أو كندا أو أستراليا يطلب من الاكتواري المحلي أن يثبت أنه عمل خارج بلده قبل أن يُسمح له بخدمة مؤسسات وطنه.

عندما يقول وزير العمل “دلوني على خبير أردني واحد قام بدراسات اكتوارية لدول أخرى” فهذه ليست معايير مهنية. هذا منطق غريب لا يمت للممارسة الاكتوارية العالمية بصلة. الخبرة الاكتوارية تُقاس بالاعتماد المهني الدولي والخبرة الفنية وسنوات الممارسة، وليس بعدد الدول التي عمل بها الشخص.

والخبراء الاكتواريون يُعتمدون من مؤسسات دولية مرموقة مثل: جمعية الاكتواريين الأمريكية (SOA)ومعهد وكلية الاكتواريين البريطانية (IFoA)وليس من صلاحية وزير العمل أن يخترع معايير جديدة لمهنة عالمية منظمة وفق قواعد دولية صارمة.

نعم…كما جاء في رد الوزير… أنا الاكتواري المسؤول عن الدراسات الاكتوارية لمؤسسة الضمان الاجتماعي من السابعة حتى الحادية عشرة… باستثناء الدراسة العاشرة

أؤكد بكل فخر أنني كنت الخبير الاكتواري والمسؤول الفني والإداري عن الدراسات الاكتوارية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، من الدراسة السابعة وحتى الدراسة الحادية عشرة، باستثناء الدراسة العاشرة التي لم أشارك فيها أصلًا، ولا أتحمل أي مسؤولية عنها.

بل على العكس، كنت قد حذّرت في حينه من الافتراضات المتفائلة وغير الواقعية التي بُنيت عليها الدراسة العاشرة، وهي افتراضات لا تنسجم مع المنهج الاكتواري المحافظ الذي يحمي الاستدامة المالية لأنظمة الضمان الاجتماعي.

أما بقية الدراسات، فقد كنت منخرطًا فيها بشكل عميق ومباشر على المستوى الفني، وليس كما حاول الوزير اختزال الأمر بصورة مضللة وكأن دوري اقتصر على “تزويد الخبراء بالبيانات”. هذا طبعاً تبسيط مضلل إلى حد الإساءة.

العمل الاكتواري الحقيقي لم يكن يُنجز في مكاتب خارج الأردن، بل داخل مركز الدراسات الاكتوارية في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بواسطة كوادر أردنية متخصصة قامت ببناء النماذج، وتحليل النتائج، ومراجعة الفرضيات، وإجراء اختبارات الحساسية، وصياغة السيناريوهات المختلفة، والمشاركة الفعلية في إعداد الدراسة نفسها. أما الجهات الخارجية، فكان دورها- وفق المعايير الدولية- المراجعة وإبداء الرأي المستقل من خلال تقرير مفصل وإصدار شهادة أصولية موقعة بالرأي الاكتواري النهائي.

الوزير يعترف بانخفاض كلف الدراسات الاكتوارية… ثم يحاول إنكار السبب الحقيقي

معالي الوزير اعترف رسميًا بأن كلفة الدراسات الحديثة (الأخيرة) انخفضت بشكل كبير. لكنه في الوقت نفسه حاول إنكار أن هذا الانخفاض كان نتيجة مباشرة لبناء قدرات مركز الدراسات الاكتوارية داخل الضمان الاجتماعي. وهنا يظهر التناقض بوضوح.

إذا كانت المؤسسة مجرد “مزود بيانات” للخبراء الأجانب، كما يحاول الوزير الإيحاء، فلماذا انخفضت الكلف أصلًا؟ الحقيقة بسيطة وواضحة: كلما زادت مساهمة الكوادر الأردنية في العمل الفني الحقيقي، انخفض الاعتماد على الخارج، وانخفضت الكلفة. طبعاً هذا ليس رأيًا، هذه حقائق مالية موثقة.

لكن المؤسف أن الوزير قدّم أيضًا معلومات غير دقيقة لمجلس النواب عندما قال إن الدراسات السابقة كانت أقل كلفة. وهنا أدعو الوزير للعودة إلى ملفات الدراسات الاكتوارية السابقة (1982، 1986، 1991، 1997، 2002) والنظر في كلفتها قبل إنشاء مركز الدراسات الاكتوارية في مؤسسة الضمان، وأن لا ينسى الكلف غير المباشرة لهذه الدراسات (تكاليف الإقامة الطويلة للخبراء الأجانب في الأردن، وتذاكر السفر، وفروقات القيمة الزمنية للنقود، والقيمة الحالية للدولار بين الثمانينيات و2023).

عندها فقط سيكتشف أن المقارنات التي طرحها أمام البرلمان مضللة وغير مهنية.

حتى رقم “أعلى كلفة لدراسة اكتوارية أجرتها المؤسسة” الذي ذكره الوزير جاء مضللاً

ذكر الوزير أن أعلى كلفة لدراسة اكتوارية في تاريخ المؤسسة بلغت 250 ألف دولار، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فالدراسة الاكتوارية السابعة مثلاً- وهي أول دراسة توليت إدارتها والإشراف عليها حين عينت خبيراً اكتوارياً في المؤسسة عام 2009- بلغت كلفتها 280,654 دولارًا.

وهنا يبرز سؤال خطير: كيف يتم إرسال معلومات غير دقيقة إلى مجلس النواب في قضية تمس واحدة من أهم المؤسسات المالية والاجتماعية في الدولة؟

المشكلة ليست في نقص الخبرة… بل في إنكارها

لقد نجحت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، عبر مركز الدراسات الاكتوارية، في بناء تجربة وطنية محترمة خفّضت الكلف، ورفعت الكفاءة، وعمّقت المعرفة الفنية داخل المؤسسة.

لكن يبدو أن المشكلة ليست في غياب الكفاءة الوطنية. المشكلة في وجود عقلية لا تستطيع الاعتراف بها.

وحين تصبح المؤسسات الفنية مثل الضمان الاجتماعي رهينة للاجتهادات غير المتخصصة، فإن الخطر لا يعود على أشخاص أو إدارات فقط، بل على الاستقرار المؤسسي، وعلى ثقة الناس بالمؤسسات الوطنية نفسها.

إن الضمان الاجتماعي ليس ساحة للانطباعات الشخصية، ولا مكانًا لتصفية الحسابات أو التقليل من الخبرات الوطنية.

الضمان الاجتماعي مؤسسة سيادية تمس مستقبل الأردنيين جميعًا.

ولهذا، فإن حماية القرار الفني التخصصي داخلها ليست ترفًا إداريًا… بل ضرورة ومسؤولية وطنية.

وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أقوى من أي محاولة لتشويهها.

وستبقى الخبرة الوطنية أكبر من كل محاولات التقليل منها

Share This Article