وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
في الثامن عشر من مايو من كل عام، يلتفت العالم بأسره نحو النوافذ الزمنية المشرعة على التاريخ، حيث تحتفي الإنسانية باليوم العالمي للمتاحف، تلك المنصات الحية التي تروي حكاية البشرية وتجسر الفجوة بين ماضٍ صَنَعنا وحاضرٍ نعيشه. وفي هذا اليوم، يقف الأردن بشموخ مستعرضاً إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، فالأردن ليس مجرد مكان على الخارطة، بل هو متحف طبيعي مفتوح، تعاقبت عليه الحضارات وتركت في كل شبر منه قصة تستحق أن تُروى وتُحفظ في صروح علمية وثقافية تليق بمكانته العريقة.
إن المتاحف في الأردن لم تعد مجرد قاعات مغلقة لحفظ القطع الأثرية الصامتة، بل تحولت بفضل الرؤى والجهود الوطنية المستمرة إلى مراكز إشعاع حضاري نابضة بالحياة، ومؤسسات تعليمية وتثقيفية تربط الأجيال بجذورها وتعرف العالم بعمق الهوية الأردنية وسحر تاريخها. وتتجلى الإنجازات الأردنية في هذا القطاع من خلال التنظيم العالي والتوظيف الذكي للتكنولوجيا الحديثة، والقدرة على صون المقتنيات النادرة وفق أعلى المعايير العالمية.
حين نجول في الذاكرة الأردنية، تبرز متاحفنا كشواهد حية على الإبداع؛ فمن “متحف الأردن” في قلب العاصمة عمان، الذي يقف كأيقونة معمارية وثقافية تحتضن أقدم التماثيل البشرية التي صنعها الإنسان (تماثيل عين غزال)، مروراً بـ “المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة” الذي يوثق الإبداع البصري الحديث والمعاصر، وصولاً إلى “متحف صرح الشهيد” الذي يروي ببطولة واعتزاز تضحيات الجيش العربي المصطفوي وسيرته العطرة في الدفاع عن الوطن وقضاياه.
ولا تتوقف الحكاية هنا، فالمتاحف تنتشر في كل محافظات المملكة من شمالها إلى جنوبها، لتقدم لوحة متكاملة؛ فهناك متاحف الآثار في جرش وأم قيس والبترا والعقبة، ومتاحف الحياة الشعبية التي تحرس الهوية التراثية والملابس والأدوات التقليدية من الاندثار وتبرز كرم الضيافة الأردنية وأصالتها. هذا التنوع الغني يعكس وعي الدولة الأردنية بأهمية السياحة الثقافية، ويؤكد للعالم أن كل قطعة أثرية في متاحفنا هي رسالة سلام وحوار بين الحضارات.
إن الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف على أرض الأردن هو دعوة مفتوحة لكل مواطن وزائر لاستكشاف هذه الكنوز، وتقدير الجهود الوطنية الهائلة التي تبذلها الكوادر الأردنية في التنقيب، والترميم، والحفاظ على هذا الإرث الإنساني العالمي. فالمتاحف الأردنية ليست ملكاً للتاريخ وحده، بل هي ذخيرتنا للمقبل من الأيام، نقرأ فيها من أين جئنا، وكيف صمدنا، وإلى أي قمم من المجد والتميز يمكننا أن نصل. كل عام ومتاحفنا الأردنية، وحراس ذاكرتنا الوطنية، بألف خير.

