معضلة الجمع بين “النقابة” و”المسؤول”.. حين يغيب “إذن المخاصمة” الذاتي!!

dawoud
4 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية
تأسست الحركة النقابية المهنية والعمالية في الأردن لتكون منارة للدفاع عن الحقوق، وحصناً منيعاً يحمي منتسبيها، وركيزة أساسية من ركائز المجتمع المدني التي توازن كفة القوى بين العامل والإدارة. غير أن مشهداً يطل برأسه بين الحين والآخر يضعنا أمام تساؤل بنيوي حرج: هل يمكن لنقيب أو قيادي نقابي أن يرتدي عباءة المسؤول التنفيذي أو الإداري في نفس الوقت؟ وهل يستقيم الجمع بين قيادة الهيئة النقابية والجلوس على مقاعد القرار الإداري في ذات المؤسسة؟إن الإجابة المباشرة التي تفرضها مبادئ العمل النقابي والتشريعات العادلة هي: لا قاطعة. فالجمع بين المنصبين يُشكل حالة نموذجية لما يُعرف بـ “تضارب المصالح” (Conflict of Interest)، وهي معضلة تنظيمية وأخلاقية تُفرغ العمل النقابي من جوهره التحرري والرقابي.

- Advertisement -

ثنائية الخصم والحكم حين يقبل “النقابي” منصباً إدارياً رفيعاً في مؤسسته، فإنه يضع نفسه تلقائياً في موقف “الخصم والحكم”. فالوظيفة الأساسية للنقابي هي تمثيل الهيئة العامة للمطالبة بالحقوق، والاحتجاج على القرارات التعسفية، والتفاوض الصلب لتحسين ظروف العمل من أجور ومكتسبات وامتيازات. في المقابل، تفرض عليه المسؤولية الإدارية أن يكون أميناً على سياسات الإدارة، ومحافظاً على الموازنات المالية للمؤسسة، ومنفذاً لتوجهات أصحاب العمل أو الحكومة.هنا يبرز التساؤل الأخلاقي: كيف يمكن للمسؤول الإداري أن يرفع رسالة احتجاج نقابية ضد قرار صادر عنه هو شخصياً؟ وكيف يمكن للنقيب أن يقود مفاوضات عمالية ضد الإدارة التي يمثلها قانوناً وتنفيذياً؟ إن هذا التداخل لا يقود إلا إلى نتيجة واحدة: إضعاف الموقف النقابي، وشعور القواعد العمالية بالخذلان وفقدان الثقة بـ “مؤسسة النقابة”.الموقف القانوني والتشريعي في الأردنبالنظر إلى التشريعات المعتمدة في المملكة الأردنية الهاشمية، فإن المشرّع الأردني يحرص دائماً على الفصل منعاً لتعارض المصالح. فرغم أن نظام الخدمة المدنية وقوانين العمل والأنظمة الداخلية للعديد من النقابات المهنية تدعم حرية التنظيم وتطوير الحركة العمالية والمهنية، إلا أن ثمة خطوطاً حمراء واضحة حيال “تغلغل النفوذ”.في سلك الوظيفة العامة والعديد من المؤسسات، يُحظر على الموظف الذي يشغل موقعاً قيادياً متقدماً أو إدارياً تنفيذياً (مثل المديرين العامين أو رؤساء الوحدات التنفيذية) ممارسة العمل النقابي الفاعل كقائد، وذلك لضمان استقلالية القرارات، وحماية حرية العمل النقابي من سطوة النفوذ الإداري، والابتعاد عن شبهات المحاباة أو تصفية الحسابات الوظيفية تحت غطاء نقابي.الأصول النقابية: “الاستقالة” هي الحلإن العمل النقابي لا يقوم على التكليف الوظيفي بل على “الالتزام الطوعي والأخلاقي” تجاه الهيئة العامة. ولذلك، فإن الأصول والأعراف النقابية الممتدة عبر العقود تملي على أي نقابي يُعرض عليه منصب إداري أو تنفيذي أن يبادر فوراً إلى تقديم استقالته من منصبه النقابي، إفساحاً للمجال لزملائه لقيادة الدفة بعيداً عن ضغوط الوظيفة وحساباتها.الجمع بين المنصبين يُفقد النقابة استقلاليتها ويجعلها أشبه بـ “دائرة تابعة للإدارة”، وهو ما يرفضه أي نقابي شريف غيور على مصلحة زملائه ومهنته.خلاصة القول، إن نزاهة العمل العام تقتضي وضوح المواقع. فإما أن تكون مدافعاً شرساً عن حقوق زملائك من خندق النقابة، وإما أن تختار مسار الإدارة وتترك مقعد القيادة النقابية لمن يتفرغ له دون مواربة أو تضارب في المصالح. فالنقابات ستبقى حصوناً مستقلة، والاستقلالية تبدأ من وعي القيادة بحدود دورها .

Share This Article