بين الأطر التشريعية والواقع الميداني: قراءة في مأسسة مسمى “مؤهل الاختصاص” في القطاع الصحي

ahmad ahmad
5 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية
تعتبر المنظومة الصحية في الأردن نموذجاً إقليمياً يُشار إليه بالبنان، وذلك بفضل تضافر الجهود الوطنية والكفاءات الطبية التي أثبتت تميزها في شتى الظروف. وضمن هذا القطاع الحيوي، تبرز فئة “الأطباء المؤهلين” في مستشفيات وزارة الصحة كعنصر أساسي ومحرك رئيسي لتقديم الرعاية الطبية الثانوية والمتخصصة، لاسيما في المستشفيات التي تشهد ضغطاً متزايداً من المراجعين في مختلف محافظات المملكة.
ومع حلول المواعيد الدورية لتحديث وتجديد مزاولات المهن الطبية، يعود إلى الواجهة ملف هذه الفئة العزيزة من أبناء الجسم الطبي، مسلطاً الضوء على قضية تنظيمية وتشريعية دقيقة تتطلب موازنة حكيمة بين الالتزام بالمعايير القانونية الصارمة وبين المتطلبات العملياتية اليومية داخل الصروح الطبية.
### **المحطة التشريعية لعام 2021: خطوة تاريخية لإقرار اللقب**
إن البحث عن حلول عادلة لهذا الملف ليس أمراً مستحدثاً؛ بل كان محط اهتمام وتقدير من قِبل قامات طبية وإدارية وطنية. ويذكر القطاع الصحي باعتزاز جهود معالي وزير الصحة الأسبق، البروفيسور الدكتور نذير عبيدات، في مطلع عام 2021، حين قاد بتناغم ومسؤولية عالية التنسيق المشترك بين الوزارة و”لجنة ممارسة مهام وصلاحيات مجلس نقابة الأطباء”.
تلك الفترة أثمرت عن خطوة تشريعية متقدمة جداً تمثلت في إقرار **”نظام معدل لنظام ألقاب مهنة الطب” ونشره رسمياً في الجريدة الرسمية**، حيث وُلد من رحم هذا التعديل مسمى **”مؤهل للاختصاص”** كلَقب رسمي ومعترف به في أدبيات الدولة التشريعية. وكانت هذه الرؤية الاستشرافية تهدف إلى منح الطبيب التوصيف والمظلة المهنية التي تتناسب مع حجم عطائه ومسؤولياته الميدانية، مع الحفاظ الكامل والمطلق على المكانة العلمية المرموقة لشهادة البورد الأردني والمجلس الطبي الأردني.
### **تحدي التطبيق: الفجوة بين النص التشريعي والواقع العملي**
رغم هذا الإنجاز القانوني والتوافقي الهام الذي نُشر بالجريدة الرسمية ليصبح جزءاً من المنظومة التشريعية الطبية، إلا أن المراحل التنفيذية اللاحقة واجهت تحديات إدارية حالت دون تفعيل هذا اللقب المحدث بشكل كامل ومرن على أرض الواقع الميداني؛ حيث تريثت الإدارات التنفيذية في إصدار التعليمات والأسس اللازمة لتطبيق اللقب وتسكين الأطباء عليه وتحديد أوصافهم الوظيفية بدقة صلب جداول تشكيلات الوظائف والمزاولات الطبية.
هذا التجميد الإداري للقَب المقر تشريعياً يضع الطبيب المؤهل اليوم في موقف دقيق وحرج أمام **قانون المسؤولية الطبية والصحية**. فعند انتهاء مهل تجديد المزاولات، يجد الطبيب نفسه يمارس مهام الاختصاص الفعلي لسد النقص الحاد استناداً إلى خبرته الطويلة وحاجة المستشفيات، لكنه من الناحية الإجرائية يفتقر إلى انعكاس هذا اللقب (مؤهل اختصاص) في شهادة مزاولته المحدثة.
### **انقضاء المأزق الزمني: غياب المزاولة الرسمية وتفاقم الخطر**
اليوم، يتخذ هذا الملف بعداً أكثر خطورة وإلحاحاً؛ **إذ انتهت بالفعل المهلة القانونية الممنوحة لتجديد مزاولة المهن الصحية، وبقيت هذه الفئة الواسعة من الأطباء دون وجود مزاولة مهنة رسمية ومحدثة بين أيديهم.** هذا الانقطاع الإجرائي خلّف وراءه فجوة قانونية معلقة ومشرعة على كافة الاحتمالات.
إن هذا الوضع لا يشكل مجرد عقبة إدارية، بل هو خطر حقيقي ومباشر ينعكس بظلاله القاتمة على أطراف العملية الطبية كافة:
* **على الطبيب:** يجد نفسه مجرداً من أي غطاء وقائي أو قانوني يعتد به إدارياً وقضائياً عند حدوث أي مضاعفة طبية طبيعية قد تطرأ أثناء الممارسة اليومية، مما يضعه تحت مقصلة المساءلة القانونية غير العادلة رغم أنه يلبّي نداء الواجب ويغطي ثغرات العجز في المستشفيات.
* **على المريض:** يتأثر حتماً ببيئة العمل المشحونة بالقلق؛ فالطبيب الذي يعمل تحت وطأة التهديد القانوني وغياب المزاولة الرسمية، قد يضطر -تحت ضغط الخوف من المسؤولية- إلى الإحجام عن اتخاذ قرارات طبية حاسمة وسريعة، أو المبالغة في تحويل الحالات، مما يربك الخدمة الطبية ويؤخر تقديم الرعاية الفضلى للمواطن.
### **نحو مقاربة وطنية شاملة**
إن المصلحة الوطنية العليا، وسلامة المنظومة الصحية، ومبدأ الحفاظ على الكفاءات الطبية الأردنية من الهجرة، كلها عوامل تدعو اليوم إلى فتح هذا الملف بروح من الشراكة والإيجابية بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء والجهات التشريعية ذات العلاقة.
الأطباء المؤهلون لا يطالبون بقفزة في الفراغ أو استحداث أطر خارج القانون، بل يتطلعون ببساطة إلى **تفعيل وترجمة ما شرعته الدولة ونشرته في جريدتها الرسمية قبل سنوات ضمن نظام ألقاب مهنة الطب**، وتسييله إدارياً وبشكل عاجل في تصاريح مزاولة المهنة المحدثة لإنهاء حالة الترقب، وضمان الاستقرار المهني والأمان القانوني لهم.
إن حسم هذا الملف وتجاوز العقبات التنفيذية -خاصة بعد انتهاء مهل المزاولة- لم يعد مجرد مطلب قطاعي أو ترف إداري، بل هو خطوة إستراتيجية لحماية الطبيب، وتعزيز بيئة العمل داخل مستشفيات وزارة الصحة، وبما يضمن استمرار تقديم الرعاية الطبية الآمنة والفضلى للمواطن الأردني الذي يقع دائماً في قمة أولويات القيادة الهاشمية الفذة.

Share This Article