​لما شطاره تكتب | ما وراء “العلامة الزرقاء”.. عندما تصبح الشهرة قناعاً لشبكات الجريمة المنظمة

Lama Shatara
4 Min Read

​وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره

​لم نعد نتحدث اليوم عن مجرد انفلات لفظي، أو حسابات وهمية، أو حتى قضايا تنمر عابرة على منصات التواصل الاجتماعي؛ بل إن العالم يقف اليوم مصدوماً ومذهولاً أمام منحدر سلوكي مرعب وفجيعة أخلاقية تضرب عمق المجتمعات. الصدمة الكبرى والواقع المقلق الذي تكشفه الأجهزة الأمنية والقضائية دولياً وعالمياً بين الحين والآخر، يتلخص في سقوط أقنعة عن وجوه “مشاهير” وصناع محتوى يتابعهم الملايين، لنكتشف أن حساباتهم الموثقة والشاشات البراقة ليست سوى واجهة مخادعة لارتكاب أبشع الجرائم المنظمة، وتمرير أنشطة مشبوهة تبدأ بافتراس الطفولة ولا تنتهي عند حدود تدمير المجتمعات ، إن هذا الفضاء الرقمي تحول في خفاياه، لدى البعض، من مساحة للترفيه إلى “سوق سوداء” وشبكة اصطياد ممنهجة؛ فخلف الابتسامات المزيفة التي تظهر في المقاطع المصورة، نكتشف وحوشاً بشرية تستغل نجوميتها وثقة المتابعين لاستدراج الأطفال والقاصرين والتحرش بهم ومحاولة هتك عرض فتيات وأولاد بعمر الزهور. لكن الأمر لا يتوقف عند هذه الجرائم الأخلاقية الفظيعة، بل يمتد ليكون غطاءً لشبكات ترويج المخدرات والسموم التي تستهدف عقول الشباب، وشبكات غسيل الأموال الدولية التي تبحث عن واجهات رقمية لتمرير ثرواتها المحرمة، وصولاً إلى مستنقعات الدعارة المنظمة، وحتى تجارة الأعضاء البشرية، في انحطاط قيمي لم يترك خطاً أحمر إلا وتجاوزه ، والخطورة الحقيقية في هذه الظاهرة تكمن في “سلاح الشهرة”؛ فالطفل أو الشاب يرى في هذا المشهور قدوة ونموذجاً للنجاح، مما يكسر لديه جدار الحذر والتردد، ليصبح الضحية الأسهل للاستدراج الناعم عبر الرسائل الخاصة وبناء الثقة المزيفة، قبل أن يجد نفسه متورطاً في شباك ابتزاز واستغلال لا مخرج منها. إننا أمام تحول مرعب تصبح فيه النجومية الافتراضية غطاءً لتمرير كوارث وجرائم يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات، وتحت عين ومسمع جمهور مخدوع يصفق للمظاهر والأرقام، دون أن يعلم ما يُطبخ في كواليس الحسابات المغلقة والغرف المظلمة ، وأمام هذا الخطر الداهم، لم يعد كافياً أن نلقي باللوم على القوانين أو على المنصات وحدها؛ فالخط الدفاعي الأول والأهم يبدأ من داخل البيوت، من خلال تفعيل رقابة أسرية واعية وذكية من قبل الأهالي. إن حماية الأبناء تتطلب معرفة وثيقة بتفاصيل حياتهم الرقمية والواقعية: مع مَن يتواصلون؟ مَن هم مشاهيرهم المفضلون؟ مَن يتخذونهم قدوة لهم؟ وما هي الاهتمامات والأشياء التي يحبونها ويقضون أوقاتهم في متابعتها؟ لكن الغاية هنا ليست ممارسة دور “المحقق” الذي يخنق الابن ويدفعه إلى السرية والهروب، بل الرقابة الذكية المبنية على لغة الحوار، والتفاهم، وبناء جسور الثقة والصداقة التي تجعل الابن يلجأ لعائلته تلقائياً عند تعرضه لأي مأزق ، وبالتوازي مع دور الأسرة، تبرز حاجة ملحة لإعادة صياغة المناهج التعليمية والمنظومة التربوية في المدارس. لم يعد مقبولاً أن تقتصر دروس التكنولوجيا على المفاهيم التقليدية الجافة، بل يجب إدخال مواد ومحاور تعليمية واضحة تشرح للطلاب ماهية “مواقع التواصل الاجتماعي” بشكل واقعي وعميق. يجب أن يتعلم الطفل والشاب في مدرسته كيف يميّز السلبيات، وأين تكمن المخاطر والمصائب المحتملة في هذا العالم الافتراضي، وكيف يحمي نفسه من الابتزاز والاستدراج. إن تسليح الأجيال بالوعي الرقمي داخل الغرف الصفية وتدريبهم على كشف الأقنعة المزيفة هو استثمار حقيقي في تحصين المجتمع ، إن حماية الأجيال تبدأ اليوم من هذا التوازن التربوي والتوعوي؛ تفعيل حاسم ومطلق لقوانين الجرائم الإلكترونية في الخارج، يقابله وعي أسري مرن وصديق في الداخل، ومنظومة تعليمية تواكب العصر وتحذر من مصائبه. والضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه استغلال الناس أو تدمير قيمهم، يكتمل عندما نربي أبناءنا على مهارة النقد والاختيار، لتبقى المجتمعات محمية، ولتبقى سيادة القانون والتربية الواعية هما السد المنيع في وجه هذا الانحطاط العابر للحدود.

- Advertisement -
Share This Article