الاردن: ضرورة بناء رجال الدولة.. واضعاف الاسلاميين مغامرة

dawoud
5 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم المحامي الدكتور هيثم عريفج

من الواضح في الفترة الأخيرة أن هناك حالة فتور، وربما تراجع غير معلن، لدى رئيس الوزراء والحكومة، وربما لدى مواقع أخرى في صناعة القرار، تجاه مخرجات مشروع التحديث السياسي. وتُساق لذلك تبريرات متعددة، لعل أبرزها نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وما أفرزته من صعود واضح ومؤثر للمعارضة الإسلامية، ممثلة بحزب جبهة العمل الإسلامي، وحصولها على عدد مهم من المقاعد النيابية.

- Advertisement -

هذه النتيجة تحولت لدى البعض إلى “البعبع السياسي”، الذي يُستخدم لتبرير الدعوة إلى إعادة هندسة الانتخابات، أو التدخل في نتائجها، أو العودة إلى قواعد اللعبة القديمة التي اعتمدت على تفتيت الصوت السياسي، وإحياء الزخم العشائري والمناطقي بوصفه بديلاً عن العمل الحزبي المنظم، أو وسيلة لمواجهة تمدد الإسلام السياسي في الشارع الأردني.

السؤال الأهم هل هذا هو الطريق الصحيح؟ وهل أثبتت التجربة أن التدخل في الحياة السياسية ينتج برلمانًا أقوى، أو نخبًا أكثر إقناعًا، أو حكومات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات؟

الواقع يقول عكس ذلك تمامًا.

فأي محاولة لتبرير الضغط على الإسلام السياسي، أو محاصرته، أو تصويره باعتباره المشكلة الوحيدة في المشهد، لم تقنع الشارع الأردني، بل أتت في كثير من الأحيان بنتائج معاكسة. فالشارع عندما يشعر أن هناك استهدافًا سياسيًا أو هندسة مسبقة للمشهد، يزداد اقتناعًا بأن الطرف المستهدف هو الحالة السياسية الأكثر حضورًا وتنظيمًا ونجاحًا. وهكذا، وبدلاً من إضعاف الإسلاميين، تمنحهم هذه السياسات مزيدًا من الشرعية الشعبية، وتفتح أمامهم مساحة أوسع في الشارع، وتمنحهم أصواتًا إضافية في أي استحقاق انتخابي قادم.

إن المشكلة ليست في أن حزبًا سياسيًا منظمًا استطاع أن يحقق نتائج انتخابية متقدمة، بل في أن بقية القوى السياسية لم تُمنح الفرصة الكافية لتنمو بطريقة طبيعية وتلقائية وعضوية.

المشكلة ليست في وجود تيار إسلامي قوي، بل في ضعف الحياة الحزبية العامة، وفي غياب أحزاب برامجية قادرة على مخاطبة المواطن بلغة الاقتصاد والحقوق والعدالة الاجتماعية وفرص العمل والحمايات الاجتماعية .

علينا أن نعترف أن الأردن يواجه تحديات كبرى لا يمكن التعامل معها بمنطق إدارة الخوف. الفقر، والبطالة، والمديونية، وتراجع الثقة العامة، والضغوط الإقليمية، والتحديات الناتجة عن السياسات الإسرائيلية، بما فيها مخاطر التهجير وبعبع الوطن البديل، كلها قضايا لا تُواجه ببرلمان ضعيف أو بحياة حزبية شكلية أو بنخب غير مقنعه مصنوعة في الغرف المغلقة.

هذه التحديات تحتاج إلى منظومة سياسية قوية، وبرلمان حقيقي يشكل سدًا ومصدا وطنيًا في وجه الضغوط، ومؤسسات منتخبة قادرة على التعبير عن الشارع، وحكومات حزبية ذات قاعدة شعبية، تشرك المواطن في صناعة القرار، وتحمله جزءًا من المسؤولية، وتفتح أمامه باب المشاركة لا باب التفرج والاحتجاج.

إن الطريق إلى مواجهة تمدد شعبية الإسلام السياسي لا يكون بإلغاء التحديث السياسي، ولا بإضعاف البرلمان، ولا بتخويف الدولة من نتائج صناديق الاقتراع. الطريق الحقيقي هو إطلاق حياة حزبية جادة، وترك الأحزاب تنمو بصورة طبيعية، بعيدًا عن التدخلات والوصايات وصناعة النخب غير القادرة على قول كلمة لا .

لقد أثبتت التجربة الأردنية، مرة بعد مرة، أن التدخل في الحياة السياسية لا يصنع رجال دولة، بل ينتج نخبًا باهتة لا تقنع الشارع ولا تلهمه. وأثبتت كذلك أن محاولة التحكم المسبق بالمشهد تؤدي في كل مرة إلى نتيجة واحدة: فشل أكبر في بناء الثقة، ومساحة أوسع للقوى الأكثر تنظيمًا، وفي مقدمتها الإسلام السياسي.

نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الوراء، بل إلى شجاعة التقدم إلى الأمام. ولا نحتاج إلى الخوف من نتائج التحديث السياسي، بل إلى استكماله وتصحيحه وتحصينه. فالدولة القوية لا تخاف من الأحزاب، والدولة الواثقة لا تخاف من البرلمان، والدولة التي تريد مواجهة التحديات الكبرى لا تبني شرعيتها على إدارة الانتخابات، بل على احترام إرادة الناس.

إن الأردن اليوم بحاجة إلى مشروع سياسي وطني واضح المعالم ، يقوم على أحزاب حقيقية مرجعيتها وطنية، تنتج برلمان قوي، وحكومات حزبية، ومشاركة شعبية واسعة. أما العودة إلى الأدوات القديمة، فلن تنتج إلا ذات النتائج القديمة ضعف ثقة، وضعف تمثيل، وضعف قدرة على مواجهة التحديات.

Share This Article