وزير الثقافة مصطفى الرواشده يكتب | الحاجة نعمة.. “سنديانة عَيّ” التي رأينا بين يديها النور

Lama Shatara
3 Min Read

بقلم: مصطفى نصر الرواشدة (وزير الثقافة)

​خلال مشاركتي في الندوة التي نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية، بمبادرة طيبة من معالي الأخت وفاء بني مصطفى، وزيرة التنمية الاجتماعية ورئيسة اللجنة الوزارية لتمكين المرأة، والتي عُقدت في المركز الثقافي الملكي تحت عنوان: “المرأة في السردية الأردنية.. كتابة الوطن بعيون النساء”؛ وتطرقت في كلمتها إلى النساء الملهمات.. في تلك اللحظة بالذات، لمعت في خاطري صورة “قابلة القرية” الحاجة نعمة، بابتسامتها الحنون، وملامحها التي تفيض أمومة، وصوتها الخافت، وهمّتها العالية وهي تركض لتبشر الأمهات بمواليدهنّ الجدد ، أتذكرها تماماً.. وهي تمر في شوارع قرية “عَيّ” في الكرك، فكنا نقف إجلالاً واحتراماً لها، وتقديراً لدورها العظيم؛ فنحن، وكثير من أبناء قريتنا الموادعة، رأينا النور أول ما رأيناه بين يديها الحانيتين. تلك القرية التي تستريح وادعة على كتف التواءات الجبال المطلة على الأغوار والبحر الميت، وتشتهر بعيون مائها العذبة وبساتين زيتونها، وعنبها، وتينها، ورمانها.. كانت الحاجة نعمة “نعمةً” حقيقية عليها، وشجرة سنديان شامخة تعانق السماء ، كانت الحاجة نعمة تاريخاً يمشي على قدمين، يدون أسماء المواليد، وتحرسهم بالبخور والملح والدعاء. كانت تقول دائماً: “أبناء القرية هم أولادي، وهم امتداد لسلالة هذا المكان وطبعه، هم عُمّارها، وزُرّاعها، وحُماتها”، فكلما بشّرت بمولود، حوّطته بالصلاة والسلام، وطوّقته بمشاعر الحب والحنان ، إن طقوس الولادة عند الحاجة نعمة لم تكن مجرد مهمة عابرة، بل كانت وعاءً إنسانياً يُكتب في كتاب حكاية القرية، وفي ظلال قصة المرأة الأم التي تحيط الجميع بوصاياها؛ فالولادة عندها عطاء إلهي، وحياة جديدة تولد في عروق المكان. واللافت في مسيرتها المباركة، أنها لم تفشل يوماً في أي عملية ولادة؛ كان الأمر يتم دائماً بسهولة ويسر، وهي تسند الأم برُقيتها، وتحنو على الطفل الذي يرى النور للتو بمشاعر الجدة، ويلهج لسانها بالدعاء أن يحفظه الله ويرعاه، وتتمنى من قلبها أن تحضر فرحه عريساً ، الحاجة نعمة قصة أردنية بامتياز، لأنها الصورة الناصعة لكل الأمهات الأردنيات، وجزء لا يتجزأ من السردية الوطنية؛ حكاية الأرض والإنسان، التي تضارع عراقة قرية “عَيّ” في التاريخ، تلك التي حملت قديماً اسم (أي)، وخلّدها التاريخ في خريطة مأدبا الفسيفسائية ، للحاجة نعمة — التي نحملها في ذاكرتنا بوشومها الخضراء على وجهها وراحة يديها، تلك الوشوم التي تشبه تعرجات بلادنا وطبيعتها — حقٌّ كبير علينا؛ حقٌّ بأن نرد إليها الجميل بالجميل، والوفاء بالجمال، لكي تتذكرها الأجيال القادمة، ونوثق صورتها كنموذج حي للمرأة الملهمة ، نترحم على الحاجة نعمة، أمنا الغالية، وندعو أبناء القرية جميعاً لتخليد ذكرها، بما يخلد فعلها الإنساني العظيم كصورة بهية على جدران المكان ، والسلام على روحها الطاهرة.

- Advertisement -
Share This Article