قصة من الواقع : أَخواتٌ يَستقبلنَ شقيقهُنَّ بالنعالِ والبُصاق

ahmad ahmad
4 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم يوسف المرافي

هذه قصة مؤلمة لأصحاب القلوب البيضاء الضعيفة حدثت في الاردن ؛ فقد جاورتُ قبل (25) سنة، في أول سنة لي في الجامعة، عائلةً في أحد البيوت الفقيرة. وكانوا رغم فقرهم يغدقون علينا بالطعام؛ إذ كانت “الختيارة” ترسله إلينا في المساء من طبخهم : قطعة دجاج، أو قطعة سمك، ولكنها كانت تُكثر من الأرز حتى نشبع. شعرتُ أنهم يحبون إكرام الناس رغم ظروفهم الاقتصادية الصعبة. وكنت في كل صباح أذهب وأعطي “الختيارة” الصحن أو الإناء الذي كانت تجلب لنا فيه الطعام وأشكرها جزيل الشكر، فكانت تقول: “نحن نُحرج منكم، ما هذا بشيء من الواجب، مقصرون معكم”، فأرد عليها: “سامحكِ الله يا حجة، زاد الطيبين واجد والحمد لله نشعر بالشبع”.

- Advertisement -

​وبعد فترة ارتاحت لي “الختيارة”، وطلبت مني طلباً غريباً قائلة : “يا بني يوسف، أحسبك بمنزلة أولادي، لدي سر أريد أن أطرحه عليك؛ عندي ابن وحيد، وله شقيقات يسكنّ في المنطقة الفلانية، ولكنه مقاطع لي ومقاطع لأخواته منذ (20) سنة، لا يكلمني ولا يزورني على وجه الخصوص، ولا حتى أخواته. أريدك أن تأتي به إلى البيت بأسلوبك وحكمتك حتى أرضى عنه قبل أن أموت، فأنا أشعر أن أيامي قليلة، إذ إنني مريضة بالقلب وفي العقد السبعين من عمري، وأشعر أن أيامي معدودة. لقد ذهب إليه الكثير من الناس حتى يأتي لزيارتي ولكنه رفض تلك الدعوات، وذهبتُ إليه عدة مرات فطردني، وأنا أحسبك من الصالحين”. فأرد عليها : “أبشري يا حجة، يظهر من حديثك أن ابنك صعب جداً، ولكن ما هو سبب مقاطعته لكِ بهذا الشكل المستغرب؟”.

​فترد قائلة: “لقد زوّجه والده ابنة عمه رغماً عنه؛ لأن عمه أوصى بزواجه منها قبل وفاته، وهي وحيدة والدها. وقتها زوّجه والده قبل أن يموت ابنة عمه، وكان هو ينتظر ابنة الجيران الذين يعرفهم ويعرف والدها لكي تنهي دراستها ويتزوجها، ولكن لم يحصل ذلك. وقد حدثت بينه وبين ابنة عمه مشاكل انتهت بالطلاق، وبقي بدون زواج لسنوات حتى هذه اللحظة”.

​واختصاراً للقصة حتى لا أطيل عليكم، ذهبتُ إليه فوجدته يسكن في بيت بمفرده، وسايرته بالكلام حتى يأتي معي لكي يلتقي بوالدته وتصفى النفوس، وكنت أقول له: “إن الله تعالى سوف يعذبك عذاباً أليماً لمعاداتك والدتك، أرجوك أن تذهب معي”.

​وفي كل مرة كان يطردني من أمام البيت قائلاً: “لو تنطبق السماء على الأرض ما رجعتُ للختيارة ولن أصالحها”. وكانت “الختيارة” تسألني في كل مرة ماذا فعلت من أجل ابنها، فأجيبها: “إن شاء الله قلبه يلين وسوف يأتي إليكِ في نهاية المطاف”.

​بعد فترة مرضت “الختيارة” ونُقلت إلى المستشفى وأمضت فيه فترة وجيزة، وعندما زرتها طلبت مني مرة أخرى أن أذهب لولدها قبل أن يتوفاها الله. وبالفعل ذهبت إليه وقلت له هذه المرة: “إن والدتك على وشك الانتقال إلى رحمة الله وتريدك أن تزورها، أعتقد أنها وصلت إلى درجة حرجة”. وقتها لان قلبه وتقبل دعوتي، فقد هداه الله، وقال : “انتظرني سوف أذهب معك، لقد رأيت والدي المتوفى في الرؤيا بالأمس يضربني بالسياط”، فقلت له : “الله أكبر! هذا إنذار من رب العالمين لك، أعتقد أن والدتك سوف تفارق الحياة، أسرع لمصالحتها واكسب رضاها قبل فوات الأوان”.

​وعندما وصلنا إلى المستشفى واقتربنا من غرفتها، سمعتُ صراخاً شديداً تقشعر له الأبدان؛ فقد توفيت “الختيارة”، وكانت بناتها في حالة صراخ وعويل، ولما شاهدن أخاهن ضربنه بـ”النعال” وبصقن عليه وطردنه بالشتائم.

​وسمعتُ أحد الموجودين من الأقارب يقول له: “كم أتاك هذا الطالب من الطفيلة؟ —في إشارة إليّ— وكنت في كل مرة تطرده من أمام البيت، فقد كنت أشاهدك من النافذة وأنت تطرده، ولكنه عندما كان يأتي للختيارة لا يتحدث عما فعلته به، جزاه الله خيراً”. وقتها تركتُ المكان مسرعاً، بعدما حزنت على “الختيارة” التي كانت تأمل في رؤية ابنها قبل وفاتها ولكن لم يحصل ذلك، ولاحقاً توفي ابنها بعد وفاتها بسنة إثر جلطة قلبية.

  • الصورة تعبيرية
Share This Article