بغداد والمغارة… حين أصبحت “سرقة القرن” عقيدة!

ahmad ahmad
4 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم: عماد داود

كل مدينة في التاريخ لها باب.

- Advertisement -

وبعض المدن — لها مغارة.

في طفولتنا كنا نجلس أمام التلفاز ونتابع سندباد.

كان كل شيء واضحاً!

اللص يرتدي لثاماً، والوالي يجلس في قصره لا يرى شيئاً، والوزير يهمس في أذنه.

وكلمة واحدة تفتح المغارة.

كنا نظن أنها حكاية أطفال.

ثم كبرنا — واكتشفنا أن الحكايات لا تموت!

هي فقط تغيّر أسماء أبطالها.

في القصة الكرتونية، سرق اللصوص الأربعون في ليلة واحدة بيوت الأثرياء وقصر الوالي نفسه.

وحين انكشف الأمر، لم يُحاسَب الأربعون!

اتُّهم علي بابا — لأن الوزير أشار إليه، لأن له سوابق، لأن إدانة الصغير أسهل دائماً من مواجهة الأربعين!

هذا كرتون ياباني أُنتج عام 1975.

لم نكن نعرف أنه كان يُدرّب أعيننا على ما سيأتي!

العراق — البلد الذي يجلس فوق واحدة من أكبر ثروات المنطقة — عاش ثلاثة وعشرين عاماً يسأل سؤالاً واحداً:

أين ذهبت المليارات؟!

الجواب لم يأتِ من تقرير أممي ولا من مؤتمر دولي.

جاء من تحت الجدران.

من داخل المزارع التي لم تُزرع.

من بيوت لا تشبه بيوت أصحاب الرواتب.

ومن رجل كان يترأس لجنة النزاهة — ويمارس الفساد بيده الأخرى في الغرفة التي لا تدخلها الكاميرا!

هذا ليس نفاقاً.

النفاق أبسط من هذا.

هذا هو الاحتراف حين يبلغ ذروته!

في القصة الحديثة، لم يعد اللص يحتاج إلى لثام!

تكفيه ميزانية.

ولا يحتاج إلى حصان يفرّ عليه — يكفيه تحويل بنكي بضغطة زر!

اللص القديم كان يخاف القانون.

واللص الحديث لا يخاف القانون — بل يكتبه!

وحين تصبح السرقة مؤسسة والفساد وظيفة والمنصب بابًا إلى المغارة — لا يعود اللص رجلاً.

يصبح نظاماً!

ولا تتوقف المغارة عند حدود المدينة.

هي تتعمق.

طبقة فوق طبقة.

وممراً خلف ممر.

حتى تصبح أكبر مما تراه العين من الخارج!

والمال المختفي داخلها ليس أرقاماً!

إنه مدرسة لم تُبنَ.

ومستشفى لم يُجهَّز.

ومستقبل طفل أُجِّل مرة — ثم مرة — ثم مرة!

والأخطر من المغارة العراقية أن مرآتها موجودة في كل عاصمة عربية!

كل شعب عربي يتابع ما يجري في بغداد اليوم — لا من فضول.

بل لأنه يرى في صور المداهمات والجدران المفتوحة والمليارات المكتشفة سؤالاً مؤجلاً في بلده!

ليست المشكلة أن المال سُرق.

المشكلة أن تُسرق الدولة نفسها!

السرقة تنتهي حين يُغلق اللص الباب خلفه.

أما الجريمة الكبرى فتبدأ حين يُعطى اللص مفتاح الباب من الداخل!

وأخطر ما في المغارة ليس الذهب الذي تخبئه.

أخطر ما فيها المنظومة التي تعلّم الوجوه الجديدة كيف تسرق بالطريقة القديمة!

وتقنعها أن المال العام بلا صاحب.

وأن المواطن سينسى.

لكنه لا ينسى!

المواطن يصبر — لكنه لا ينسى ولا يغفر!

لهذا لا تُقاس أي حملة حقيقية على الفساد بعدد المعتقلين.

تُقاس بسؤال واحد فقط:

هل تغيّرت كلمة السر؟!

لأن استرداد المال انتصار — أما استرداد الدولة فهو الولادة الثانية!

وكل مغارة في التاريخ — بلا استثناء واحد — مهما امتلأت ومهما تحصّنت وطال ليلها، انتهت بيوم واحد تُفتح فيه!

لم تسقطها الكنوز التي كانت بداخلها.

أسقطها انكشاف الكنوز!

بغداد لا يقتلها وجود اللصوص.

بغداد يقتلها أن يصبح اللص هو الذي يحتفظ بمفتاح المدينة!

وما يصح على بغداد — يصح على كل عاصمة عربية يحمل فيها اللص مفتاح الباب!

وحين يعود المفتاح إلى يد أصحابه — تكتشف المغارة، متأخرةً، أن أخطر ما في التاريخ لم يكن الذهب الذي اختبأ داخلها!

بل الضوء الذي انتظر خارجها!

وانتظر!

وانتظر!

ما يزال!

emadawoud@yahoo.com

Share This Article