وكالة تليسكوب الإخبارية | لما شطاره
منذ ساعات، ضجّت منصات التواصل الإجتماعي بصورتين جرى تداولهما كالنار في الهشيم، تُظهران الفنانة السورية سلاف فواخرجي برفقة ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري السابق، داخل أحد مقاهي روسيا، ولم تكد تمر دقائق على النشر حتى انطلقت محاكم التفتيش الرقمية بالتعليقات الهجومية والاتهامات المسبقة، لتحدث بلبلة واسعة كادت أن تتحول إلى حقيقة راسخة لولا التدقيق العلمي والمهني؛ فالقصة هنا لا تقف عند حدود فبركة لقاء بين فنانة وشخصية سياسية مثيرة للجدل، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل مرعب حول مدى خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح سهل لـ«التّبلي» على الناس، وتلفيق جلسات قد تدمّر حياة أصحابها وتجلب لهم السباب والمشاكل بـ«كبسة زر». ورغم محاولة صُنّاع الصورة إخراج المشهد بطابع واقعي، إلا أن أولى علامات التزييف بدأت من عدم تطابق التفاصيل بين الصورتين؛ فلحية ماهر الأسد تبدو كثيفة في لقطة وخفيفة جداً في الأخرى رغم أن السيدة المجاورة له ترتدي الفستان عينه، كما أن قميصه وألوانه وتفاصيل زوايا المقهى وترتيب الطاولات تغيرت في ثوانٍ، ناهيك عن الأدلة الدامغة التي كشفت عورات الرقمية مثل تشوهات ملامح اليد تحت الطاولة وظهور جسم غريب يخرج من هاتف محمول في الخلفية، ليتأكد التزييف كلياً عند إخضاع المادتين للفحص التقني عبر نموذج غوغل الذكي Gemini وموقع Hive Moderation وSightengine وAI or Not، والتي جاء حُكمها القاطع بأن الصور مولّدة ومعدلة بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن الخطورة الحقيقية في هذه الحادثة تكمن في «سيكولوجية الجماهير» التي تميل فوراً لتصديق الصور دون التفكير في أبعادها، في حين أن الوقائع الموثقة تثبت كذب الرواية، إذ إن آخر ظهور رقمي لسلاف فواخرجي كان بتاريخ 17 تموز 2026 في منطقة الجيزة بمصر وليس روسيا، أما ماهر الأسد فالأرجح أنه تم الاعتماد على صور قديمة له تعود لعام 2014 (حيث ظهر بالقميص نفسه) لتغذية خوارزميات التوليد وتركيب المشهد الزائف، مستغلين الأنباء التي رُوّجت عن مغادرته سوريا واستقراره في روسيا بعد سقوط النظام بنهاية عام 2024، ليتضح أننا أمام لقاء وهمي في مكان وهمي صُنع لتصفية حسابات أو لحصد التفاعلات، ممّا يثبت أننا دخلنا مرحلة خطيرة يمكن فيها لأي شخص أن يضعك في مكان لم تزره برفقة شخص لم تلتقِ به ليجعل منك ضحية للمقصلة الإلكترونية، وفي النهاية يبقى الاختلاف مع أي شخصية عامة في مواقفها وآرائها حقاً مكفولاً للجميع، لكن أن يتحول هذا الاختلاف إلى قبول التزييف وبناء الاتهامات على صور مفبركة لمجرد أنها تُرضي ميولنا، فهذا هو الخطر الأكبر، فالذكاء الاصطناعي بات قادراً على تزوير الملامح، لكن الوعي البشري والتدقيق المهني هما الحصن الأخير لحماية الحقيقة من التبلي الرقمي.

