كل جريمة قتل .. هي شهادة رسوب جديدة لمنظومتنا التربوية

dawoud
4 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم الكاتب د. سمير الجمال

رحم الله الطالبة نور برغل، وألهم أهلها الصبر والسلوان.

- Advertisement -

لن أبدأ هذه المرة بالحديث عن الجريمة، ولا عن تفاصيلها، ولا عن القاتل… بل سأبدأ بحقيقة مؤلمة:

كل جريمة قتل تهز مجتمعنا هي شهادة رسوب جديدة لمنظومتنا التربوية.

قد يغضب البعض من هذه العبارة، لكن لنسأل أنفسنا بصدق:

كيف يصل إنسان إلى قناعة بأن من حقه أن ينهي حياة إنسان آخر لأنه رُفض؟ أو لأنه غضب؟ أو لأنه لم يحصل على ما يريد؟

هذا الانهيار لا يحدث في لحظة، ولا يصنعه سكين، بل تصنعه سنوات من الخلل في التربية، وضعف منظومة القيم، وغياب ثقافة احترام الإنسان.

ولهذا كنت، وما زلت، أطالب بعقد مؤتمر وطني شامل للتعليم.

البعض ظن أنني أتحدث عن المناهج والامتحانات والواجبات المدرسية فقط، لكنني كنت أقصد ما هو أكبر من ذلك بكثير.

كنت أتحدث عن صناعة الإنسان.

عن مدرسة لا تكتفي بتخريج طالب يعرف حل المعادلات، بل تخرج شابًا يعرف كيف يضبط غضبه، ويحترم المرأة، ويتقبل الرفض، ويؤمن أن الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.

لقد أصبحنا نقيس نجاح مدارسنا بعدد الأوائل، ونسب النجاح، والتصنيفات، بينما السؤال الحقيقي هو:

كم طالبًا خرج من مدارسنا وهو يحمل أخلاقًا قبل أن يحمل شهادة؟

ما قيمة أن نحصد أعلى العلامات إذا كنا نفشل في غرس أبسط القيم؟

ما قيمة أن يحفظ الطالب آلاف المعلومات إذا لم يتعلم أن كلمة “لا” حق، وأن الاختلاف لا يبرر العنف، وأن الرجولة ليست سيطرة ولا انتقامًا؟

إن كل جريمة عنف ضد امرأة، وكل جريمة قتل، وكل حالة تنمر، وكل انتشار للمخدرات، وكل خطاب كراهية، ليست أحداثًا منفصلة، بل أعراض لمرض واحد… مرض أصاب منظومة بناء الإنسان.

ولا أحمّل المدرسة وحدها المسؤولية.

فالأسرة مسؤولة…

والمؤسسات الدينية مسؤولة…

والإعلام مسؤول…

ومنصات التواصل مسؤولة…

لكن المدرسة تبقى المؤسسة الوطنية التي يمر بها كل أبناء الوطن، ولذلك لا يجوز أن تتحول إلى مصنع للعلامات فقط، بينما تتراجع رسالتها في التربية.

إنني أجدد اليوم دعوتي إلى مؤتمر وطني شامل للتعليم، لا ليضيف تعديلات جديدة على المناهج، بل ليعيد الإجابة عن سؤال واحد:

أي إنسان نريد أن نصنع؟

نريد تعليمًا يبني العقل والضمير معًا.

نريد أن تصبح قيم احترام الحياة، واحترام المرأة، وضبط النفس، والحوار، والمسؤولية، جزءًا أصيلًا من العملية التربوية، لا شعارات تُرفع في المناسبات.

إننا بعد كل جريمة نطالب بعقوبات أشد، وهذا حق، لكن العقوبة تعالج ما بعد الجريمة، أما التربية فتعالج ما قبل الجريمة.

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس في بناء مدارس أجمل، ولا في شراء أجهزة أحدث، ولا في تغيير شكل الامتحانات كل عام، بل في بناء إنسان يرى أن حياة الآخرين مقدسة، وأن الخلاف لا يبرر العنف، وأن الحب لا يعني الامتلاك، وأن الرفض لا يمنحه حق الانتقام.

رحم الله نور برغل، ورحم كل ضحية سقطت بسبب العنف.

وأتمنى أن تكون دماؤهن آخر جرس إنذار يدفعنا إلى إصلاح حقيقي، لا إصلاح شكلي.

فالأوطان لا يحميها الإسفلت، ولا الأبراج، ولا التكنولوجيا وحدها…

الأوطان يحميها الإنسان.

ولهذا، فإن دعوتنا إلى مؤتمر وطني شامل للتعليم لم تعد مطلبًا تربويًا فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية المجتمع، وصناعة أجيال تؤمن بأن الإنسان أغلى من الغضب، وأن القانون فوق الانتقام، وأن الحياة حق لا يملكه أحد إلا الله.

د. سمير الجمال

Share This Article