وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم: مؤيد أحمد المجالي
ليس أخطر ما يمكن أن يعيشه الإنسان أن يهاجر من وطنه، بل أن يبقى فيه ويشعر أنه غريب عنه. فالغربة الحقيقية ليست عبور الحدود، وإنما أن تعبر الأيام على الإنسان حتى يكتشف أن المكان الذي أحبّه لم يعد يمنحه الشعور بالانتماء، وأن الشوارع التي حفظ أسماءها لم تعد تحفظ اسمه.
إنها الغربة التي لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا إلى تأشيرة، ولا إلى مطار. إنها غربة الروح في أرض الآباء والأجداد.
الغريب في وطنه لا يكره وطنه، بل يتألم لأنه يحبه. فهو يرى فيه تاريخ طفولته، وذكريات أهله، وأحلام شبابه، لكنه يشعر في الوقت ذاته بأن المسافة بينه وبين وطنه تتسع كل يوم، حتى يصبح مواطنًا بالهوية، وغريبًا بالمشاعر.
هذه الحالة لا تولد من فراغ، ولا تصنعها لحظة عابرة، وإنما هي نتيجة تراكمات طويلة. فعندما يشعر الإنسان أن العدالة أصبحت استثناءً لا قاعدة، وأن الكفاءة تتراجع أمام الواسطة، وأن الفرص توزع بغير ميزان الإنصاف، يبدأ أول شرخ في جدار الانتماء.
وعندما يثقل كاهله الغلاء، ويطارده القلق على لقمة العيش، ويصبح المستقبل أكثر ضبابية من الحاضر، فإن الوطن يتحول في نظره من مساحة للأمل إلى مساحة للبقاء فقط.
ثم تأتي الضربة الأقسى عندما يفقد ثقته بالمؤسسات، أو يشعر بأن صوته لا يغيّر شيئًا، وأن مشاركته لا تصنع فرقًا، فينسحب بصمت، لا لأنه استسلم، بل لأنه لم يعد يرى جدوى من الصراخ في مكان لا يسمع.
ويزداد هذا الشعور مع تفكك العلاقات الاجتماعية، وتراجع قيم التكافل، وهيمنة الفردية، حتى يجد الإنسان نفسه محاطًا بآلاف الوجوه، لكنه يفتقد الشخص الذي يسمعه ويشعر به.
لكن… ما أخطر ما في هذه الغربة؟
الخطر لا يكمن في الحزن ذاته، بل فيما يولده الحزن من نتائج.
فعندما تنتشر غربة المواطن داخل وطنه، يبدأ الانتماء بالتآكل بصمت.
يتراجع الإيمان بالمستقبل.
تضعف المشاركة في الحياة العامة.
تخبو روح المبادرة.
ينخفض الشعور بالمسؤولية تجاه الممتلكات العامة.
وتتحول عبارة “هذا وطني” إلى مجرد حقيقة جغرافية، لا علاقة وجدانية.
ثم تبدأ موجات الهجرة، ليس فقط هجرة العقول والكفاءات، بل هجرة الأحلام أيضًا. والأسوأ أن بعض من يبقون داخل الوطن يصبحون مهاجرين نفسيًا؛ يعيشون بأجسادهم هنا، بينما عقولهم وقلوبهم معلقة في مكان آخر.
وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، فإنها لا تخسر أفرادًا فقط، بل تخسر طاقتها على البناء والتجديد.
إن الدول لا تنهار عندما يقل عدد سكانها، بل عندما يقل عدد المؤمنين بها.
الغربة الداخلية أخطر من الهجرة
المهاجر يستطيع أن يعود يومًا، لكن الذي يشعر بالغربة داخل وطنه قد يبقى فيه عمرًا كاملًا دون أن يعود إليه نفسيًا.
وهذا أخطر أنواع النزيف الوطني.
فالمواطن الذي يفقد إحساسه بالانتماء لا يتحول بالضرورة إلى خصم لوطنه، لكنه قد يتحول إلى إنسان لا يبالي بما يحدث فيه.
واللامبالاة هي الوجه الآخر لفقدان الانتماء.
إن الوطن لا يبنى فقط بالميزانيات والمشروعات والطرقات، بل يبنى قبل ذلك بثقة الإنسان بأنه محترم، وأن جهده مقدّر، وأن القانون يحميه، وأن المستقبل يتسع له ولأبنائه.
كيف نستعيد الإنسان قبل أن نفقده؟
لا يكفي أن نطالب المواطن بحب وطنه، بل ينبغي أن يشعر أن وطنه يحبه أيضًا.
فالانتماء لا يُفرض بالخطب، وإنما يُصنع بالعدالة.
ولا يُبنى بالشعارات، وإنما بالفرص المتكافئة.
ولا يترسخ بالمواعظ، وإنما بسيادة القانون، ومحاربة الفساد، واحترام الكفاءة، وصون الكرامة الإنسانية، والاستماع الحقيقي لصوت الناس.
عندما يشعر المواطن أن حقوقه مصانة، وأن مستقبله ليس رهينة الواسطة أو الحظ، يعود الانتماء تلقائيًا، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المكان الذي يمنحه الكرامة قبل أي شيء.
إن أخطر أزمة قد تواجه أي دولة ليست الأزمة الاقتصادية، ولا حتى الأزمة السياسية، وإنما أزمة اغتراب الإنسان عن وطنه.
فالاقتصاد يمكن إصلاحه، والسياسات يمكن تعديلها، أما إذا انكسر شعور الإنسان بالانتماء، فإن إعادة بنائه تحتاج إلى سنوات طويلة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يقلق الجميع ليس: كم غادر الوطن من أبنائه؟
بل السؤال الأخطر هو:
كم بقي فيه… لكنه لم يعد يشعر أنه ينتمي إليه؟
فهناك فرق كبير بين أن يسكن الإنسان وطنه، وأن يسكن الوطن قلب الإنسان. والدول الحكيمة لا تكتفي بحماية حدودها، بل تحمي أيضًا شعور مواطنيها بأنهم في وطنهم حقًا.

