وكالة تليسكوب الاخبارية – تقرير : مي صالح
مناشدة إلى دولة رئيس الوزراء… وعتبٌ مشروع من متقاعدي الضمان الاجتماعي
ليس من باب الترف، ولا من قبيل المطالبة بما لا يستحق، أن يرفع متقاعدو الضمان الاجتماعي صوتهم اليوم، بل هو عتبٌ مشروع وغضبٌ صادق من قرارٍ شعروا أنه وضعهم خارج دائرة الإنصاف، حين لم تشمل الزيادة الشهرية البالغة 30 دينارًا رواتبهم، رغم سنوات طويلة قضوها في العمل والعطاء، ودفعوا خلالها اشتراكاتهم والتزموا بما عليهم من واجبات.
هؤلاء المتقاعدون لم يكونوا يومًا عبئًا على الوطن، بل كانوا جزءًا من مسيرة بنائه؛ أفنوا أعمارهم في مواقع العمل، وتحملوا المسؤولية، وأعطوا من صحتهم ووقتهم وجهدهم، وحين بلغوا سن التقاعد، لم يطلبوا امتيازًا ولا منّة، وإنما كانوا ينتظرون أن يجدوا في وطنهم العدل والأمان والكرامة التي تليق بمن خدموا مؤسساته ومجتمعه.
لكن المؤلم اليوم أن بعض هؤلاء المتقاعدين يواجهون واقعًا معيشيًا بالغ القسوة؛ فهناك من يتقاضى راتبًا تقاعديًا متدنيًا للغاية، لا يتجاوز في بعض الحالات 230 دينارًا شهريًا، وهو مبلغ بات من الصعب أن يؤمّن أبسط مقومات العيش الكريم، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد الأعباء والاحتياجات.
ولا تقف المعاناة عند حدود الراتب المتدني؛ فهناك شريحة من متقاعدي الضمان لم تحصل على مكافأة نهاية خدمة، لتجد نفسها بعد سنوات طويلة من العمل أمام راتبٍ محدود، ودون مبلغٍ إضافي يمكن أن يسندها في بداية مرحلة التقاعد، أو يساعدها على مواجهة أعباء الحياة التي لم تتوقف بخروجها من سوق العمل.
وهنا تصبح الصورة أكثر قسوة…
متقاعدٌ أفنى سنوات عمره في العمل، ولم يحصل على مكافأة نهاية خدمة، ويتقاضى راتبًا تقاعديًا لا يتجاوز 230 دينارًا، ثم يُستثنى فوق ذلك من زيادةٍ شهرية قدرها 30 دينارًا.
فأي شعورٍ يمكن أن يتركه مثل هذا القرار في نفس إنسانٍ قضى عمره في خدمة وطنه؟
إن غضب متقاعدي الضمان اليوم ليس غضبًا من أجل رقمٍ عابر، وإنما هو غضبٌ من شعورٍ بالخذلان بعد سنواتٍ طويلة من العطاء.
فمن أمضى عشرات السنين في خدمة وطنه، واستُقطعت من راتبه الاشتراكات طوال سنوات عمله، كان ينتظر أن يجد في نهاية الطريق أمانًا اجتماعيًا يليق بتلك السنوات، لا أن يجد نفسه أمام راتبٍ تقاعدي متدنٍ، واحتياجاتٍ تتزايد، ثم يُفاجأ باستبعاده من زيادةٍ كان يأمل أن تخفف شيئًا من أعبائه.
المؤلم أن المتقاعد لا يطلب ترفًا، ولا يبحث عن امتياز؛ إنه يطلب حياةً كريمة.
وثلاثون دينارًا قد تبدو رقمًا بسيطًا في حسابات البعض، لكنها بالنسبة لمتقاعدٍ محدود الدخل قد تعني دواءً، أو فاتورةً، أو حاجةً أساسية، أو جزءًا من قوت يومه.
وهنا يبرز السؤال الذي يحمله المتقاعدون بمرارة:
كيف يُطلب من إنسانٍ أفنى عمره في العمل، ودفع اشتراكاته، وخدم وطنه، ثم يصل إلى نهاية الطريق براتبٍ لا يكفيه، ومن دون مكافأة نهاية خدمة في بعض الحالات، ثم يُحرم أيضًا من زيادةٍ كان يمكن أن تسند ظهره قليلًا أمام قسوة الحياة؟
دولة رئيس الوزراء…
إن عتب متقاعدي الضمان اليوم ليس عتبًا على وطن، وإنما عتب أبناء الوطن على قرارٍ شعروا أنه لم ينصفهم.
إنهم لا يطالبون بامتيازٍ خاص، ولا يريدون أن يُقدَّموا على غيرهم، وإنما يطلبون أن يُعاد النظر في هذا القرار، وأن تُؤخذ ظروفهم المعيشية بعين الاعتبار، وأن تشملهم الزيادة التي يرون أنها حقٌ في الإنصاف، خصوصًا أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية.
هؤلاء الذين حملوا أعباء العمل في شبابهم، وتحملوا المسؤولية، وأعطوا من صحتهم ووقتهم وأعمارهم، يستحقون في خريف العمر أن يجدوا الأمان لا القلق، والإنصاف لا الاستثناء، والكرامة لا الحاجة.
لقد خدموا حين كانت أعمارهم قادرة على العطاء…
فهل يُنصفون حين أصبحت أعمارهم بحاجة إلى من يرد لهم شيئًا من ذلك العطاء؟
إنها ليست مطالبةً ماليةً مجردة، بل صرخة كرامةٍ من فئةٍ أفنت أعمارها في خدمة الوطن، وتخشى اليوم أن تكون سنوات عطائها قد انتهت إلى راتبٍ لا يكفي، وزيادةٍ حُرمت منها.
ومن هنا، تأتي المناشدة إلى دولة رئيس الوزراء لإعادة النظر في القرار، وإنصاف متقاعدي الضمان الاجتماعي، وشمولهم بالزيادة الشهرية.
فالإنصاف لا ينبغي أن يكون استثناءً، والوفاء لمن خدموا الوطن لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما يتركه في نفوسهم من شعورٍ بأن تعب السنين لم يذهب سدى.
متقاعدو الضمان لا يريدون أكثر من حقهم في حياةٍ كريمة… فهل يكون لهم في قرار الحكومة القادم نصيبٌ من الإنصاف؟

