وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم الكاتب مصطفى محمد عيروط
مع إشراقة صباح اليوم الأحد 23 آب 2026، عادت مدارس وطننا، المملكة الأردنية الهاشمية، لتفتح أبوابها أمام أبنائنا وبناتنا وأحفادنا، ليعود أكثر من مليونين ونصف المليون طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة، حاملين أحلامهم وطموحات أسرهم ووطنهم.
إنها ليست عودة إلى المدارس فحسب، وإنما هي تجديد لعهد الأردن مع العلم والتعليم وبناء الإنسان، وهي مناسبة نستذكر فيها مسيرة وطن آمن منذ تأسيسه بأن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به هو الاستثمار في الإنسان.
وعندما نتحدث عن التعليم العام في الأردن، فإن الأرقام وحدها تكشف حجم الإنجاز الذي تحقق خلال مسيرة الدولة الأردنية الراسخة. ففي عام 1946، كان في الأردن نحو 77 مدرسة حكومية، ونحو 214 معلماً ومعلمة، ونحو 10,729 طالباً وطالبة. أما اليوم، فقد أصبحت منظومة التعليم شبكة وطنية واسعة تضم آلاف المدارس الحكومية والخاصة، وأكثر من 140 ألف معلم ومعلمة في التعليم الأساسي والثانوي، ونحو مليونين ونصف المليون طالب وطالبة.
وهذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة في أعداد المدارس والطلبة والمعلمين، وإنما تعكس انتقال الأردن من إمكانات تعليمية محدودة في بدايات الدولة إلى منظومة تعليمية واسعة تغطي المحافظات والبوادي والأرياف والمخيمات، وتفتح أبوابها أمام أبناء الوطن جميعاً.
وقد جاء قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم 13 لسنة 2026 ليؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية متكاملة، تقوم على مراحل مترابطة تبدأ من التعليم المبكر، مروراً بالتعليم المتوسط والثانوي بمساريه الأكاديمي والمهني التقني، وصولاً إلى التعليم العالي.
ولم يكن الإنجاز في التوسع الكمي وحده؛ فقد حقق الأردن تقدماً كبيراً في نشر التعليم ومكافحة الأمية، وانخفضت نسبة الأمية في القراءة والكتابة إلى مستويات متدنية مقارنة بما كانت عليه في بدايات الدولة، كما أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في العملية التعليمية، إذ تشكل الطالبات قرابة نصف طلبة المدارس.
وهذه المسيرة تؤكد أن الأردن لم يبنِ المدارس فقط، بل بنى الإنسان.
وأنا، كواحد من جيل عرف بدايات هذه المسيرة، أتذكر كيف كان الوصول إلى المدرسة يتطلب من بعض أبناء الوطن السير مسافات طويلة، وكيف كانت الجامعة الوحيدة في الأردن آنذاك محدودة الإمكانات مقارنة بما نشهده اليوم من جامعات وكليات وتخصصات ومؤسسات تعليمية منتشرة في مختلف أنحاء المملكة.
لقد تغير الأردن كثيراً، وتطورت مؤسساته، واتسعت فرص التعليم أمام أبنائه، وأصبح التعليم الأردني رافداً أساسياً للكوادر التي خدمت الوطن داخله وأسهمت في مسيرة التنمية في دول عربية وأجنبية عديدة.
ومن هنا، فإن السؤال في بداية كل عام دراسي لم يعد فقط: كم مدرسة لدينا؟ وكم طالباً ومعلمًا لدينا؟
بل أصبح السؤال الأهم: ماذا يتعلم أبناؤنا؟ وماذا نريد منهم أن يكونوا بعد عشر سنوات؟ وهل نعدّهم فعلاً لوظائف المستقبل؟
هل نزرع فيهم العلم والانضباط والعمل والإبداع والمسؤولية والاعتماد على الذات؟ وهل نعزز فيهم الانتماء والولاء للأردن وطناً وقيادة هاشمية تاريخية؟ وهل نعلّمهم أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، وإنما مسؤولية نحافظ عليها ونبنيها ونخدمها؟
وهنا يأتي الدور الكبير للمعلم والمعلمة، والمناهج، والأنشطة المدرسية، والإذاعة الصباحية، والأسرة، والمجتمع.
فالإذاعة المدرسية الصباحية، على سبيل المثال، ليست مجرد فقرات تُقدم في بداية اليوم الدراسي؛ بل يمكن أن تكون مدرسة وطنية مصغرة، تُعرّف الطلبة بإنجازات وطنهم، وتقدم قصص النجاح الأردنية، وتعزز قيم الانتماء والعمل والتطوع والمسؤولية، وتفتح نوافذ المعرفة أمام الطلبة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد التعليم مجرد كتب ومناهج وامتحانات، بل أصبح استثماراً في قدرة الإنسان الأردني على التفكير والتحليل والإبداع والتعلم المستمر والمنافسة في سوق عمل يتغير بسرعة.
ومن هنا، فإن بداية العام الدراسي 2026/2027 مناسبة لتجديد الثقة بالمعلم، واحترام المدرسة، وتعزيز دور الأسرة، والاهتمام بالطالب، ومواصلة تطوير المناهج، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، والتوسع في التعليم المهني والتقني والرقمي، وربط التعليم بحاجات سوق العمل.
كما أن التوجه نحو التعليم المهني والتطبيقي لا ينجح بالقرارات وحدها؛ وإنما يحتاج إلى توجيه وإقناع وقدوة ونماذج نجاح. فالطالب عندما يرى خريجاً مهنياً ناجحاً، ومؤسسة تعليمية متميزة، وفرصاً حقيقية للعمل والإنتاج، يصبح الإقبال على التعليم المهني خياراً واعياً ومشرّفاً، وليس بديلاً اضطرارياً.
إن المعلم الأردني حمل رسالة التعليم عبر عقود، وكان ولا يزال محل تقدير واحترام. والطالب الأردني يستحق تعليماً نوعياً يواكب العصر، والمدرسة الأردنية يجب أن تكون بيئة آمنة ومحفزة على التعلم والإبداع والتميز.
وفي هذه المناسبة الوطنية، ما أجمل أن نقول لأبنائنا وبناتنا وأحفادنا، ولأكثر من مليونين ونصف المليون طالب وطالبة:
عودوا إلى مدارسكم بثقة وأمل؛ فأنتم مستقبل الأردن.
ونقول للمعلمين والمعلمات:
أنتم لا تدرّسون مادة فقط، وإنما تبنون شخصية، وتصنعون وعياً، وتزرعون قيمة، وتكتبون جزءاً من مستقبل الوطن.
ونقول للأسر الأردنية:
كونوا شركاء حقيقيين للمدرسة؛ فالتربية لا تنجح بالمدرسة وحدها ولا بالأسرة وحدها، وإنما بتكامل الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع.
لقد صنعت مسيرة التعليم الأردني أجيالاً من العلماء والباحثين والأطباء والمهندسين والمعلمين والإعلاميين والإداريين والمنتجين وأساتذة الجامعات والصناعيين والتجار والمزارعين، كما خرجت رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقادة العسكريين والأمنيين والخبراء الذين حملوا رسالة الوطن ودافعوا عنه وخدموه بإخلاص.
وهنا نستذكر بفخر أن شعار «الإنسان أغلى ما نملك» لم يكن مجرد عبارة، وإنما مبدأ راسخ في مسيرة الأردن، وفي رؤية قيادتنا الهاشمية التي أولت التعليم وبناء الإنسان أولوية كبرى.
وقد حظي التعليم وما يزال برعاية ومتابعة واهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، الذي يؤكد دائماً أهمية الاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب، وتطوير التعليم، وإعداد الأجيال القادرة على بناء المستقبل.
لقد بُني الأردن بالعرق والجهد والكفاح، وبإرادة أبنائه وإدارة قيادتنا الهاشمية التاريخية، واستطاع، رغم محدودية الإمكانات في بداياته، أن يحقق إنجازات كبيرة في التعليم وسائر مجالات الحياة.
فالأبنية قد تتغير، والتكنولوجيا تتطور، والمناهج تتبدل، لكن الإنسان المتعلم الواعي القادر على التفكير والإبداع والعمل والإخلاص والانتماء سيبقى الثروة الحقيقية لهذا الوطن.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، فإن رسالتنا ليست فقط أن نملأ المقاعد الدراسية بالطلبة، وإنما أن نملأ عقولهم بالعلم، وقلوبهم بالانتماء، وشخصياتهم بالمسؤولية، وعقولهم بالقدرة على التفكير، وأيديهم بالمهارة والعمل والإنتاج.
فبالعلم نبني الإنسان، وبالإنسان نبني الوطن.
كل عام والأردن بخير، وطلبة الأردن ومعلموه ومعلماته ومدارسنا بخير.
وكل عام والأردن يزداد علماً وتقدماً وازدهاراً.
حمى الله الأردن، قيادةً ووطنًا وشعبًا، وحمى جيشنا العربي المصطفوي وأجهزتنا الأمنية، وحفظ جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم ، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد الأمين ، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والإنجاز.
مصطفى محمد عيروط

