اللواء مجدي الحراسيس رئيساً للأركان : تجديد القيادة .. وتحديث أدوات القوة

dawoud
5 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم وائل منسي
لم يكن تعيين اللواء الركن مجدي محمد حماد الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة، اعتباراً من 2 أيلول 2026، مجرد تغيير في موقع قيادي رفيع، بل يبدو جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل أدوات الدولة الأمنية والعسكرية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة في الإقليم.
وقد رافق التعيين ترفيع الحراسيس من رتبة عميد ركن إلى لواء، فيما أُحيل الفريق الركن يوسف الحنيطي إلى التقاعد بعد ترفيعه إلى رتبة فريق.
الأهم أن الرسالة التي وجهها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس الأركان الجديد حملت إشارات واضحة إلى طبيعة المرحلة المقبلة؛ إذ وجّه الحراسيس إلى متابعة جهود إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير إمكانيات الجيش العربي وتحديث أدواته، بما يمكنه من مواجهة ما يستجد من تحديات وتهديدات بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية.
وهنا تبرز دلالة التعيين.
من الخبرة العملياتية إلى عقلية المعلومات:
يمتلك الحراسيس خلفية مختلفة نسبياً عن الصورة التقليدية لرئيس الأركان؛ فقد شغل منصب مدير مديرية الاستخبارات العسكرية منذ عام 2022، وظهر في تلك الفترة في سياق خطط تطوير وتحديث المديرية، بما في ذلك تطوير أساليب العمل المرتبطة بجمع المعلومات وتحليلها والتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
ثم انتقل في عام 2025 إلى قيادة كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية، وهي محطة تضيف إلى مساره بعداً استراتيجياً وتدريبياً، بعد سنوات من العمل في المجال الاستخباراتي والأمني.
وبالتالي، فإن وصول شخصية ذات خبرة استخباراتية إلى رأس المؤسسة العسكرية يمكن أن يحمل معنى يتجاوز الملف العسكري التقليدي: تعزيز قيمة المعلومات، والتحليل، والإنذار المبكر، والقدرة على قراءة البيئة الأمنية قبل تحول التهديد إلى أزمة.
التكنولوجيا… من أداة مساندة إلى عنصر حاسم في القوة
اللافت أن جلالة الملك لم يكتفِ في رسالة التكليف بالحديث عن تطوير الجيش، بل استخدم تعبيراً أكثر تحديداً: “تحديث أدواته”.
وهذا التعبير يكتسب أهمية خاصة في عالم تتغير فيه طبيعة الحروب والتهديدات بسرعة؛ فلم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بعدد الأفراد والمنظومات التقليدية، وإنما بقدرتها على امتلاك المعلومات في الوقت المناسب، وتحليلها، وربط مصادرها، واستخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية والاستشعار والمراقبة والإنذار المبكر في صناعة القرار.
ومن هذه الزاوية، تبدو خبرة الحراسيس في الاستخبارات ذات صلة مباشرة بالمرحلة المقبلة، خصوصاً أن مديرية الاستخبارات العسكرية كانت قد شهدت، خلال فترة توليه مسؤوليتها، جهوداً معلنة في التطوير والتحديث.
والمؤكد سياسياً ومؤسسياً هو أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من مفهوم التحديث العسكري الأردني، وأن اختيار قائد ذي خلفية استخباراتية في هذه اللحظة ينسجم مع هذا الاتجاه.
تجديد الدماء القيادية:
يمكن كذلك قراءة التعيين في سياق حرص جلالة الملك على تجديد الدماء في مواقع القيادة العليا، وضخ خبرات وطاقات جديدة في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استمرارية المؤسسة وخبرتها وتقاليدها.
فالتغيير هنا لا يعني القطيعة مع المرحلة السابقة؛ بل إن رسالة الملك إلى الحنيطي تضمنت تقديراً لجهوده في تنفيذ توجيهات القيادة المتعلقة بتحديث وتطوير القوات المسلحة وإعادة هيكلتها.
وفي الوقت نفسه، جاء تعيين الحراسيس ليحمل المرحلة التالية من هذا المسار.
وهذه نقطة مهمة: التجديد القيادي لا يعني تغيير الأشخاص فقط، بل تغيير أدوات التفكير أيضاً.
لماذا اللواء الحراسيس الآن؟
الإجابة الأقرب تبدو مرتبطة بثلاثة ملفات متداخلة:
أولاً: البيئة الإقليمية.
الأردن يعيش في محيط أمني شديد التعقيد، من الحدود السورية والعراقية إلى تداعيات الحرب في غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة. وقد شهدت الفترة الأخيرة تحركاً عسكرياً وأمنياً أردنياً لافتاً لتعزيز التعاون والتنسيق مع دول الجوار حول أمن الحدود.
ثانياً: طبيعة التهديد.
التهديدات لم تعد عسكرية تقليدية فقط؛ فهناك الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، وشبكات التهريب، والحرب المعلوماتية، والتهديدات العابرة للحدود، وهي ملفات تحتاج إلى منظومة استخبارات وتحليل وتكنولوجيا بقدر حاجتها إلى القوة النارية.
ثالثاً: التحول التكنولوجي.
الجيش الحديث يحتاج إلى منظومة متكاملة تربط بين المعلومات والاستشعار والتحليل والقرار والتنفيذ. وهنا تصبح الاستخبارات ليست جهازاً لجمع المعلومات فحسب، بل جزءاً من البنية الأساسية لصناعة القرار العسكري.

ماذا يمكن أن يعني ذلك للأردن؟
إذا أردنا قراءة التعيين بعيداً عن التكهّنات، فإن الرسالة الأوضح هي أن المرحلة المقبلة قد تشهد تسريعاً لمسار تحديث القوات المسلحة وإعادة هيكلتها، مع إعطاء وزن أكبر للمعلومات والتكنولوجيا والجاهزية والاستباق.
وقد يكون التحدي الحقيقي أمام رئيس الأركان الجديد هو تحويل هذا التوجه إلى منظومة متكاملة: جيش أكثر رشاقة، قيادة أكثر اعتماداً على البيانات، استخبارات أكثر قدرة على التنبؤ، أدوات تكنولوجية أكثر تطوراً، وكوادر بشرية قادرة على التعامل مع بيئة أمنية تتغير بسرعة.
وهذا يتطابق بصورة مباشرة مع التوجيه الملكي للحراسيس بإعادة الهيكلة وتطوير القدرات وتحديث الأدوات، إلى جانب الاستثمار في الإنسان العسكري وبناء قدراته على مختلف المستويات.

- Advertisement -

وائل منسي

Share This Article