وكالة تليسكوب الإخبارية – كتب فهد عبدالعال
تشهد الإدارات الكبرى في العواصم الحضرية عادة تناوباً مستمراً في المناصب القيادية وفقاً لمتطلبات المرحلة ورؤى صناع القرار ، غير أن قرار إبعاد الكفاءات المشهود لها بالنزاهة والخبرة الطويلة يثير دائماً الكثير من التساؤلات والنقاشات في الأوساط العامة والمهنية. ويعد ملف الكوادر المتقدمة في أمانة عمان الكبرى نموذجاً واضحاً لهذا الجدل المستمر ، حيث يبرز اسم رائد الدبوبي كواحد من الأسماء الإدارية التي راكمت خبرات نوعية عبر سنوات طويلة من العمل الميداني والمكتبي ضمن منظومة العمل في أمانة عمان ، فالحديث عن إقصاء شخصية بمثل هذا الحجم من المعرفة الإدارية في مرحلة تتطلب تضافر الجهود يفتح الباب واسعاً لبحث أسباب اتخاذ مثل هذه القرارات وتأثيراتها المحتملة على كفاءة الأداء العام واستمرارية المؤسسة.
فمن حيث الأبعاد الإدارية للخبرة والكفاءة، تمثل الخبرة التراكمية في قطاع الإدارة العامة رصيداً استراتيجياً لا يمكن تعويضه بسهولة ، إن فهم تفاصيل العمل البلدي المعقدة ويتطلب سنوات من الممارسة اليومية والتعامل مع التحديات اللوجستية والهندسية والخدمية التي تواجهها مدينة بحجم العاصمة عمان ، فعندما يمتلك موظفا مثل رائد الدبوبي فهماً عميقاً لآليات اتخاذ القرار وإدارة الأزمات، فإن وجوده في مكتب أمين عمان أو المواقع القيادية المتقدمة يشكل صمام أمان لاستمرارية تقديم الخدمات للمواطنين بأفضل صورة ممكنة ، كذلك فالتخلي عن هذه الخبرات في وقت تكون فيه المؤسسة بحاجة ماسة إلى الاستقرار الإداري يطرح علامات استفهام حقيقية حول معايير تقييم الأداء المعتمدة. وهل تخضع هذه القرارات لمعايير موضوعية تقيس حجم الإنتاج والعطاء؟ أم تأتي نتيجة اعتبارات ضيقة تتعلق بتغيير الفلسفة الإدارية لكل فريق جديد يتولى المسؤولية؟
اما من حيث تأثير غياب الكفاءات على استمرارية العمل البلدي فمن الطبيعي أن تتأثر تلك المؤسسات الخدمية الكبرى بشكل مباشر عندما يتم استبعاد الشخصيات المؤثرة ذات المعرفة المتراكمة ، فالإدارة المحلية ليست مجرد وظيفة عابرة بل هي تراكم معرفي وثقافي يحتاج إلى سنوات لتكوينه وتطويره. وعندما يغيب مسؤول يتمتع بخبرة واسعة عن موقع صنع القرار، قد ينعكس ذلك سلباً على سرعة إنجاز المعاملات وتنسيق الجهود بين الإدارات المختلفة في أمانة عمان . وتشير التجارب الإدارية العديدة إلى أن الاستقرار الوظيفي للقيادات الوسطى والعليا يسهم بشكل كبير في تقليل الأخطاء وتعزيز الإنتاجية ، لذلك فإن إقصاء الكفاءات يعطل أحياناً الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد ويخلق حالة من عدم اليقين بين العاملين الذين كانوا يعتمدون على توجيهات تلك الشخصيات وخبراتهم المتراكمة في تجاوز العقبات اليومية التي تعترض العمل البلدي.
اما من حيث ثقافة التقييم المؤسسي في القطاع العام ،
فيكشف هذا الواقع عن حاجة ملحة لمراجعة شاملة لثقافة التقييم والترقي في القطاع العام ، و يجب أن تستند قرارات التعيين والإقصاء إلى مؤشرات أداء واضحة وموضوعية بعيداً عن التقديرات الشخصية أو التغييرات المفاجئة التي ترافق عادة قدوم قيادات جديدة. فالحفاظ على الخبرات الوطنية الكفؤة واستثمار طاقاتها في مواقع العطاء ليس مجرد خيار إداري بل هو ضرورة وطنية تفرضها مصلحة العمل العام. وعندما يتم تهميش شخصيات مثل رائد الدبوبي وهي في قمة عطائها وقدرتها على الإنتاج، فإن ذلك يرسل رسائل غير مشجعة للجيل القادم من الموظفين والإداريين حول جدوى الاجتهاد والتميز المهني في المؤسسات الحكومية والبلدية.
ويبقى موضوع إقصاء الكفاءات الإدارية المتميزة في أمانة عمان الكبرى قضية تستدعي التأمل العميق والتقييم الموضوعي من قبل الجهات المعنية ، لإن الاستغناء عن خبرات وطنية صلبة راكمت معارفها على مدار سنوات طويلة من العمل الجاد يمثل خسارة واضحة للمؤسسة وللمجتمع على حد سواء ، ولإن بناء الإدارة الفعالة يتطلب تكريماً للخبرة وحفاظاً على استمرارية الكفاءات التي تثبت جدارتها في ميدان العمل ، ويتعين على صانع القرار دائماً ميزان الأمور بميزان المصلحة العامة والحرص على الاستفادة من طاقات أبناء الوطن المخلصين في مواقعهم الطبيعية لضمان تقديم أفضل الخدمات للمواطنين والارتقاء بعمل المؤسسات الخدمية نحو آفاق أرحب من التميز والكفاءة.
لماذا إقصاء الدبوبي بعد كل هذه الخبرة التراكمية ؟

