وكالة تليسكوب الإخبارية
في ظاهرة مقلقة بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على المنظومة الصحية، تواجه الكوادر الطبية والتمريضية موجة متصاعدة من القرارات الإدارية القاسية والعقوبات بالجملة الصادرة عن وزارة الصحة. ويقع اللوم الأكبر في هذا السياق على سياسات مديرية الرقابة والتفتيش في الوزارة، والتي تتبنى نهجاً مثيراً للجدل يقوم على “الكيل بمكيالين” في التعامل مع قضايا الموظفين. وتأتي هذه الإجراءات على خلفية اضطرار أعداد كبيرة من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي للبحث عن مصادر رزق إضافية والعمل خارج أوقات الدوام الرسمي، في محاولة لمواجهة ضيق العيش وتدهور الأوضاع المعيشية.
وأعرب متضررون وخبراء قانونيون عن بالغ قلقهم إزاء الآلية الانتقائية التي تُتخذ بها هذه القرارات؛ إذ تعمد مديرية الرقابة والتفتيش إلى فرض عقوبات مجحفة تمثل قفزة مباشرة نحو العقوبة الأشد (مثل الإيقاف الفوري عن العمل)، متجاوزةً بذلك التسلسل التدريجي المتعارف عليه في العقوبات التأديبية. وأكد الحقوقيون أن هذه الممارسات تتعارض صراحةً مع القوانين المرعية، ومبادئ حقوق العمل، والمعايير الأساسية لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في التقاضي العادل والدفاع المشروع.
وتتزامن هذه الإجراءات التعسفية مع موجة هجرة غير مسبوقة ونزيف مستمر للكفاءات الطبية نحو الخارج أو نحو قطاعات بديلة، وسط حالة من الإحباط الشديد تسيطر على الكوادر العاملة.
وبدلًا من تبني سياسات تحفيزية تحافظ على الخبرات الوطنية وتدعم استقرارها النفسي والمادي، تتجه الوزارة وأجهزتها الرقابية نحو سياسة “التطفيش” وخلق بيئة طاردة للكوادر، مما ينذر بتراجع ملحوظ في مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وفي ظل هذه السياسات التي تساهم في تفريغ المستشفيات والمراكز الصحية من الكفاءات الطبية المؤهلة بدعوى “فقدان الوظيفة” أو ما شابه، يبرز تساؤل ملح يفرض نفسه بقوة في الشارع الصحي حول الغاية الحقيقية وراء إضعاف القطاع الطبي الوطني وتدفيعه هذه الأثمان الباهظة.

