وكالة تليسكوب الإخبارية – كتب أ.د. محمد الفرجات
جهاز الأمن العام العزيز علينا جميعا، وقرة عين سيد البلاد حفظه الله تعالى، يقوم على رؤية ملكية عنوانها أمن المواطن وكرامته، ويحظى باهتمام ومتابعة ملكية مستمرة، كما ويقوم على جهود رجال أوفياء عملهم اليومي هو حماية المواطنين.
كانت مدينة العقبة قبل عدة أعوام تعاني خللاً مرورياً هندسياً في بعض الشوارع، إضافة إلى ما يمكن وصفه بالنقاط العمياء والخطيرة مرورياً، فضلاً عن التحديات التي تفرضها طبيعة المدينة باعتبارها مدينة سياحية وتجارية ومينائية، تستقبل أعداداً متزايدة من المركبات والزوار، وتشهد مواسم ترتفع فيها الحركة المرورية بصورة كبيرة.
وفي خضم هذه التحديات، تولى المقدم عاهد الصرايرة مسؤولية سير العقبة، وبدأت بصماته تظهر من خلال حضور ميداني واضح، ومتابعة مباشرة للحركة المرورية، وتعامل أكثر التصاقاً بتفاصيل المدينة وخصوصيتها.
والحديث هنا ليس عن رجل مرور يحرر المخالفات فقط؛ فالأمن المروري أوسع بكثير من ذلك. هو إدارة للحركة، وقراءة لسلوك السائقين، وتحديد لمواقع الاختناق والخطر، وتدخل سريع عند الحوادث، وتعاون مع الجهات الهندسية والخدمية، وتوعية للمجتمع، والأهم أن يشعر المواطن بأن رجل السير موجود لخدمته وحمايته قبل أن يكون موجوداً لمحاسبته.
وقد كان من اللافت خلال فترة الصرايرة في العقبة التركيز على انسيابية الحركة المرورية، خصوصاً خلال ساعات الذروة والمواسم السياحية، إلى جانب العمل على رفع كفاءة الاستجابة والتعامل مع الواقع المروري المتغير. وهذا ما أكدته الزيارات الرسمية لقسم سير العقبة، حيث جرى استعراض خطط وآليات تنظيم الحركة والرقابة والخطط التطويرية أمام الجهات المعنية.
كما أن إدارة السير في العقبة لم تتعامل مع المرور باعتباره قضية منفصلة عن الاقتصاد والسياحة؛ فقد أكدت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أن تحسين الحركة المرورية والحد من الحوادث وتطوير البنية التحتية المرورية عناصر مرتبطة مباشرة باستدامة النمو الاقتصادي والسياحي، وهو فهم مهم لطبيعة مدينة مثل العقبة.
ومن الجوانب التي تستحق الإشارة كذلك انخراط إدارة السير في الملفات المرتبطة بالنقل داخل المدينة. ففي نيسان 2026، شارك المقدم الصرايرة في بحث تنظيم عمل التكسي الأخضر عبر التطبيقات الذكية، ضمن اجتماع تناول مؤشرات الأداء وجودة الخدمة وسبل رفع كفاءة النقل وتحسين مستوى الخدمة للمواطنين والزوار.
وهنا أود أن أشير، من باب التوثيق لا من باب الادعاء، إلى أنني كنت خلال الفترة الماضية على تواصل مستمر مع إدارة سير العقبة ومع المقدم عاهد الصرايرة حول عدد من الملاحظات والمشاهدات المرورية التي كنت أرصدها في شوارع المدينة، ولا سيما في بعض المواقع التي كانت تشكل نقاطاً خطرة أو تحتاج إلى معالجة هندسية وتنظيمية.
وقد كان هذا التواصل قائماً على فكرة بسيطة: أن نضع الملاحظة التي يراها المواطن والباحث والمختص أمام رجل السير الموجود في الميدان، ثم تتابعها الجهات المختصة وصولاً إلى الحل الممكن.
ومن نتائج هذا التواصل، بالتعاون مع الجهات المعنية، الوصول إلى تعديلات ومعالجات هندسية مرورية مهمة في عدد من المواقع والشوارع التي كانت تحتاج إلى تدخل، إلى جانب إثارة بعض النقاط التي تتطلب تحسيناً في التنظيم أو الإشارات أو الحركة أو عناصر السلامة المرورية.
ولم يقتصر الأمر على المعالجة الهندسية؛ فقد كان هناك أيضاً اهتمام بأن تتحول بعض الملاحظات اليومية إلى رسائل توعية مرورية هادفة تصل إلى المواطن والسائق، لأن معالجة الحوادث لا تبدأ دائماً بالمخالفة، وإنما قد تبدأ بكلمة توعية في الوقت المناسب، أو تنبيه إلى سلوك خاطئ، أو شرح لخطر قد لا يراه السائق.
وقد حاولت من جانبي، عبر ما أكتبه وأنشره، أن أساهم في هذا الجانب من خلال بث رسائل توعية مرورية مستمرة حول السرعة، والتجاوزات الخطرة، والتعامل مع التقاطعات، واحترام المسارب، والانتباه للمشاة، وخطورة بعض السلوكيات التي قد تبدو بسيطة لكنها تتحول في لحظة إلى حادث.
وأعتقد أن هذه التجربة تؤكد أن الأمن المروري مسؤولية تشاركية؛ فرجل السير وحده لا يستطيع معالجة كل شيء، والجهة الهندسية وحدها لا تستطيع قراءة السلوك المروري، والإعلام والتوعية وحدهما لا يكفيان، والمواطن ليس مجرد متلقٍ للتعليمات، بل هو شريك في صناعة السلامة على الطريق.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة: لا يجوز أن ننسب إلى رجل السير وحده معالجة مشكلات هندسية تقع مسؤوليتها على أكثر من جهة. فإعادة تصميم شارع أو تقاطع، وإغلاق فتحة خطرة، وتحسين الإشارات والمطبات والشواخص، تحتاج إلى تكامل بين إدارة السير والسلطة والأشغال والجهات الهندسية المختصة. لكن دور رجل السير هو أن يرى المشكلة على أرض الواقع، وأن يرفعها، وأن يتابعها، وأن يدفع باتجاه الحل.
وهذا تحديداً ما يجعل تقييم تجربة المقدم عاهد الصرايرة مختلفاً؛ فقد كانت لديه فرصة للعمل داخل مدينة تتغير باستمرار، وداخل منظومة مرورية تتقاطع فيها حركة السكان والسياح والشاحنات والتكاسي والمركبات الخاصة.
وقد كتبتُ سابقاً عن الحاجة إلى إعادة هندسة شوارع العقبة، لأن بعض المشكلات لا يمكن حلها بالمخالفة وحدها، وإنما تحتاج إلى هندسة الطريق قبل محاسبة مستخدمه. ومن هنا تأتي أهمية رجال السير الذين ينقلون الملاحظة من الشارع إلى أصحاب القرار، لأن رجل السير هو أحد أكثر من يلمس المشكلة المرورية يومياً.
ولذلك، فإن انتقال المقدم عاهد الصرايرة من سير العقبة إلى إدارة سير الزرقاء لا يعني نهاية أثره في العقبة. فالمدن تتغير والضباط ينتقلون، لكن البصمات المهنية تبقى، خصوصاً عندما يكون العمل قائماً على الحضور والمتابعة والتنسيق وخدمة الناس.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله لرجل أمن يغادر موقعاً خدمياً بعد سنوات من العمل هو:
شكراً لأنك كنت في الشارع عندما احتاجك الشارع، وبين الناس عندما احتاجتك الناس.
العقبة لا تحتاج فقط إلى رجال مرور يطبقون القانون، وإنما تحتاج إلى رجال يفهمون المدينة، ويعرفون شوارعها ونقاط ضعفها، ويقرأون حركة السير فيها، ويتعاملون مع المواطن والسائح والسائق بروح رجل الأمن الذي يرى في السلامة المرورية جزءاً من الأمن الوطني والخدمة العامة.
وإذا كان المقدم عاهد الصرايرة قد انتقل اليوم إلى موقع جديد، فإن العقبة تستطيع أن تقول له:
تركت هنا أثراً طيباً، ونتمنى أن تحمل تجربتك إلى الزرقاء، وأن تستمر مسيرتك في خدمة الوطن والمواطن.
ففي النهاية، لا تقاس قيمة المسؤول بعدد الأيام التي أمضاها في موقعه، وإنما بما تركه وراءه من نظام أفضل، وطريق أكثر أمناً، ومواطن أكثر اطمئناناً، وثقة أكبر برجال الأمن العام.
وهذه هي البصمة التي تستحق أن تُذكر.

