شطاره تكتب | عندما تتحول “ساعات العمل” إلى إستنزاف بشري

dawoud
4 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم الاعلامية لما شطاره
​في عالم يتجه نحو الرفاه الإنساني وتطبيق أعلى معايير بيئة العمل، لا يزال الموظف في العديد من مؤسسات القطاع الخاص يخوض معركة يومية صامتة مع الوقت والإرهاق.
المَشاهد المتداولة مؤخراً لفتيات وشباب يعملون على منصات الدفع (الكاشير) وفي أروقة المحلات والمتاجر، وهم يقاومون بكاءهم من شدة التعب والوقوف المستمر دون أن يجدوا مجرد استراحة أو كرسي يجلسون عليه، فتحت الباب واسعاً أمام سؤال جوهري: إلى متى يُترك أمد العمل مفتوحاً ليستنزف صحة الإنسان وحياته؟
​إن المعاناة لم تعد بحاجة إلى تقارير موثقة، بل أصبحت تُرى بالعين المجردة يومياً؛ فتيات في مقتبل العمر يترنحن من الإرهاق، وشباب حديثو التخرج يلهثون خلف رمق عيشٍ يربطهم بساعات عمل شاقة تمتد لـ 16 ساعة متواصلة. الحديث هنا لا يتعلق فقط بمنشآت تُجبر موظفيها على هذا النزيف التشغيلي، بل يتعدى ذلك إلى ضرورة فرض حظر قانوني صريح يمنع الموظف من العمل لشفتين متتاليتين في المكان نفسه، حتى لو أبدى هو رغبته في ذلك. فأن تحمي الإنسان من استنزاف صحته وعافيتها هو جزء أصيل من حقوق الإنسان الأساسية؛ لأن الموظف الذي يدفعه العوز المالي أو الضغط التشغيلي لقضاء نهاره وليله داخل المحل يفقد تدريجياً قدرته على ممارسة أدنى مقومات الحياة الطبيعية. فلا مجال لزواج، ولا لبناء عائلة، ولا لرعاية صحة، ولا للتواصل الاجتماعي، في حالة صريحة من “دفن الذات” داخل أسوار العمل.
​وتتعمق المشكلة حين يمتد الاستغلال ليتصيد فئة الشباب الصغار وحديثي التخرج عمداً، مستغلين حاجتهم للعمل وقلة خبرتهم؛ فيتم تشغيلهم برواتب متدنية، مع حرمانهم المباشر من أجور العمل الإضافي (الأوفر تايم) أو حتى الإجازات البديلة. والأدهى من ذلك هو سياسة الترهيب الصامتة، حيث يدرك العامل أن مجرد المطالبة بحقه أو التقدم بشكوى للجهات المختصة قد يعني الفصل الفوري والتخلي عنه بدم بارد. إن هذا الواقع يفترض تعديلاً تشريعياً عاجلاً يضع حداً لسطوة صاحب العمل، ويضمن للموظف حماية قانونية حقيقية تحميه من الفصل الانتقامي عند المطالبة بحقوقه الأساسية.
​تُعيدنا هذه الممارسات إلى واقعة رمزية شهدها العالم مؤخراً، عندما أُصيب روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي في إحدى المؤسسات بانهيار تشغيلي نتيجة الضغط والعمل المستمر، فخرج عن السيطرة وأخذ يركض في الشارع حتى تلاحقه فرق الصيانة والشرطة. هذه الحادثة، رغم طابعها التقني، تحمل رسالة إنسانية عميقة: إذا كانت الآلة الصماء المصنوعة من حديد وبرمجيات تنهار وتتمرد عند تحميلها فوق طاقتها التشغيلية، فكيف يُطلب من إنسان بشري من لحم ودم أن يقف كـ “الصنم” لساعات متواصلة بلا تحرك أو راحة؟ إن تحويل البشر إلى مجرد أدوات إنتاج متجاهلين طاقتهم النفسية والجسدية هو انحدار بلياقة بيئة العمل إلى مستويات غير إنسانية.
​وفي مقابل هذا الاستنزاف، تبرز تجارب الدول المتقدمة التي تعمل فيها المؤسسات والمرافق الخدمية والتجارية، بل وحتى الدوائر الحكومية والمحاكم، على مدار الساعة (ليل نهار) دون توقف، ولكن بأشخاص مختلفين وبنظام ورديات منظم. إن تبني هذا المعيار التشغيلي يمثل حلاً مزدوجاً: فهو يقضي على أزمة البطالة عبر استيعاب آلاف الشباب العاطلين عن العمل والمتواجدين في منازلهم بدلاً من إرهاق موظف واحد بشفتين، ويضمن في الوقت ذاته مخرجاً للموظف لينهي ورديته الأولى ويعود لحياته الطبيعية وصحته وعائلته، بينما يستلم الموظف في الشفت الثاني المهام بلياقة وجاهزية تامة، مما ينشط الحركة الاقتصادية ويخدم المواطنين في أوقات مرنة.
​إن بيئة العمل الإنسانية لا تقاس فقط بالرواتب، بل بالقدرة على صون كرامة العامل وجسده. والمطلوب اليوم هو إعادة النظر في التشريعات العمالية لتكون أكثر حزماً، من خلال تضمين بند صريح يمنع الجمع بين ورديتين متتاليتين، وإلزام المنشآت بتوفير مقاعد واستراحات دورية لجميع الوظائف التي تتطلب الوقوف المستمر. فالعمل أُوجد ليكون وسيلة لعيش حياة كريمة وطبيعية، وليس سبباً في استهلاك شباب الإنسان وصحته خلف أدراج المحلات.

Share This Article