من ازدحام مراكز الإصلاح إلى معالجة جذور الجريمة

dawoud
8 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية

بيان صادر عن منتدى الابتكار والتنمية

- Advertisement -

تابع منتدى الابتكار والتنمية ما أعلنه معالي وزير الداخلية مازن الفراية بشأن وصول نسبة الإشغال في مراكز الإصلاح والتأهيل إلى نحو 200% من طاقتها الاستيعابية، إلى جانب وجود عشرات الآلاف من المطلوبين للتنفيذ القضائي.

ويرى المنتدى أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مشكلة في السجون وحدها، وإنما باعتبارها إشارة إلى مشكلة أوسع تتعلق بمنظومة الوقاية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية في المجتمع.

فالازدحام داخل مراكز الإصلاح هو في جانب منه نتيجة طبيعية لارتفاع أعداد المحكومين والموقوفين، لكنه في جانب آخر يعكس تراكم أسباب تبدأ أحياناً من الأسرة، أو الفقر والبطالة والديون، أو تعاطي المخدرات، أو النزاعات اليومية، أو ضعف الوعي القانوني والديني والاجتماعي، ثم تتطور إلى مخالفات وجرائم تنتهي بصاحبها إلى السجن.

وفي مقدمة هذه التحديات آفة المخدرات؛ من التهريب إلى التعاطي والترويج، بما تحمله من آثار أمنية وصحية واقتصادية وأسرية، وما يمكن أن ينتج عنها من جرائم أخرى. وهنا لا يكفي التعامل مع النتائج بعد وقوعها، بل يجب أن تتجه الدولة والمجتمع إلى تقليص منابع المشكلة ومساراتها قبل أن تصل إلى أبواب مراكز الإصلاح.

لا بد من تخفيف الضغط… دون تخفيف حماية المجتمع

يتفهم المنتدى التوجه نحو إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية في الحالات التي يسمح بها القانون، وبما يقدره القضاء وفق ظروف كل قضية، لما يمكن أن يحققه ذلك من تخفيف الضغط عن مراكز الإصلاح وتقليل الكلفة المالية على الدولة، مع إعطاء فرصة حقيقية لإعادة دمج بعض المحكومين في المجتمع والإنتاج والعمل.

لكن البدائل يجب ألا تتحول إلى قاعدة عامة منفصلة عن درجة خطورة الجريمة وخطورة الشخص على المجتمع.

فالرسالة ينبغي أن تكون واضحة:
نخفف السجن حيث يكون الإصلاح ممكناً، ونشدد الحماية حيث يكون الخطر قائماً.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير منظومة متكاملة لتصنيف الحالات، بحيث يتم التعامل مع مرتكبي الجرائم الأقل خطورة، والمديونين في القضايا التي يسمح القانون بمعالجتها بوسائل بديلة، وبعض المخالفين، ببرامج إصلاح وتأهيل وخدمة مجتمعية ومراقبة وإعادة دمج، بينما تبقى الجرائم الخطرة والمتكررة وجرائم الاتجار بالمخدرات وما يمس أمن المجتمع ضمن أولويات الردع والحماية، وفق القانون وقرارات القضاء والجهات المختصة.

الحل ليس في وزارة واحدة

إن معالجة ظاهرة ارتفاع أعداد النزلاء والمطلوبين للتنفيذ لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة الداخلية وحدها.

ويقترح منتدى الابتكار والتنمية بناء شراكة وطنية للوقاية من الجريمة وإعادة الدمج والسلم المجتمعي، تشارك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع، على النحو الآتي:

أولاً: وزارة الداخلية والجهات الأمنية والقضائية

تعزيز التحليل المبكر لأنماط الجريمة ومصادرها ومناطق انتشارها، وتطوير برامج الوقاية، مع الاستمرار في حماية المجتمع من الأشخاص الذين يشكلون خطراً حقيقياً، وفق الأطر القانونية والقضائية، إلى جانب تطوير برامج ما بعد الإفراج لمنع العودة إلى الجريمة.

ثانياً: وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية

توجيه جزء أكبر من برامج الوعظ والإرشاد نحو السلم المجتمعي، وتحريم الاعتداء على الآخرين وأموالهم وحقوقهم، وخطر المخدرات، وأداء الديون والحقوق، وضبط الغضب، وحل النزاعات، واحترام القانون.

فكثير من القضايا التي تبدأ بخلاف عائلي أو مالي أو مشاجرة أو تصرف انفعالي يمكن منع تطورها قبل أن تتحول إلى قضية جزائية، إذا وصل الخطاب الديني والاجتماعي إلى الناس في الوقت والمكان المناسبين وبأسلوب معاصر مؤثر.

ثالثاً: وزارة التنمية الاجتماعية

الانتقال من معالجة آثار الفقر والبطالة بعد وقوع المشكلة إلى التمكين الاقتصادي الوقائي.

وهذا يعني ربط الأسر والأفراد الأكثر عرضة للانحراف أو التعثر ببرامج تدريب ومشاريع إنتاجية صغيرة مدرة للدخل، ومساعدتهم على الانتقال من الاعتماد إلى الإنتاج، مع إعطاء الأولوية للحالات التي يمكن أن يؤدي تمكينها اقتصادياً إلى منع تفكك الأسرة أو تراكم الديون أو الانخراط في سلوكيات خطرة.

رابعاً: وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي

إدخال مفهوم السلم المجتمعي والوعي القانوني والمسؤولية الفردية بصورة عملية في البيئة التعليمية، وليس باعتباره درساً نظرياً فقط.

فالطالب يجب أن يعرف منذ الصغر أن احترام القانون ليس خوفاً من العقوبة، وإنما جزء من حماية المجتمع وحماية نفسه وأسرته ومستقبله، وأن العنف والتنمر والاعتداء والمخدرات والسلوك العدواني ليست مشكلات فردية بسيطة، بل بوابات لمشكلات أكبر.

خامساً: منظومة الإعلام والاتصال الحكومي والإعلام الوطني

إطلاق حملات توعية مستمرة، لا موسمية، حول المخدرات والعنف والجرائم الإلكترونية والعنف الأسري والمشاجرات والديون وحقوق الآخرين وخطورة بعض السلوكيات اليومية التي قد تتطور إلى جرائم.

المطلوب إعلام يمنع الجريمة قبل وقوعها، لا أن يكتفي بتغطيتها بعد وقوعها.

والأسرة هي خط الدفاع الأول

ولا يمكن أن تكتمل أي استراتيجية وطنية من دون إعادة الاعتبار لدور الأسرة.

فالأسرة هي المكان الأول الذي يمكن أن يلاحظ تغير سلوك الابن، أو بداية الانحراف، أو رفاق السوء، أو التعاطي، أو العنف، أو الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن هنا يجب توفير برامج إرشاد أسري تساعد الآباء والأمهات على اكتشاف المشكلات مبكراً والتعامل معها، وإيجاد قنوات آمنة لطلب المساعدة قبل أن تتحول المشكلة إلى قضية أمنية أو قضائية.

السجن يجب أن يكون إصلاحاً لا مجرد احتجاز

إن مراكز الإصلاح والتأهيل تحمل في اسمها رسالة واضحة: الإصلاح والتأهيل.

ولذلك فإن تخفيف الاكتظاظ يجب أن يترافق مع رفع جودة التأهيل داخل المراكز، من التعليم والتدريب المهني إلى العلاج من الإدمان والدعم الاجتماعي وإعادة بناء العلاقة مع الأسرة، بحيث يخرج النزيل أكثر قدرة على العودة إلى المجتمع بصورة سليمة، لا أكثر قابلية للعودة إلى الجريمة.

كما أن من المهم بناء نظام متابعة بعد الإفراج، بالتعاون بين الجهات المعنية، لمساعدة من استحق فرصة جديدة على الحصول على عمل أو تدريب أو مشروع إنتاجي، ومراقبة الحالات التي تحتاج إلى متابعة، ضمن القانون.

من إدارة السجون إلى إدارة أسباب الجريمة

إن منتدى الابتكار والتنمية يرى أن التحدي الحقيقي ليس فقط: كيف نستوعب أعداداً أكبر داخل مراكز الإصلاح؟

بل السؤال الأهم هو:

كيف نمنع الإنسان من الوصول إلى السجن أصلاً، وكيف نمنع من خرج منه من العودة إليه، وكيف نحمي المجتمع في الوقت نفسه من أصحاب الخطورة الحقيقية؟

وهذا يتطلب الانتقال من عقلية التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى منظومة وطنية للوقاية المبكرة، تقوم على الأمن والقانون، ولكنها تستند أيضاً إلى الاقتصاد والتعليم والأسرة والدين والإعلام والتنمية الاجتماعية.

إن كلفة الوقاية أقل من كلفة السجن، وكلفة إعادة التأهيل أقل من كلفة العودة إلى الجريمة، وكلفة تمكين الأسرة من الإنتاج أقل من كلفة تفككها، والأهم أن حماية الإنسان من الانحراف قبل وقوعه هي في جوهرها حماية للمجتمع كله.

وعليه، يدعو منتدى الابتكار والتنمية إلى تشكيل فريق وطني مشترك يضع خطة وطنية للوقاية من الجريمة والحد من الاكتظاظ في مراكز الإصلاح وإعادة دمج المؤهلين للعودة إلى المجتمع، بأهداف قابلة للقياس، وتوزيع واضح للأدوار بين مؤسسات الدولة.

فالمطلوب ليس فقط أن يكون لدينا سجن يتسع للمشكلة، وإنما مجتمع تقل فيه أسباب الجريمة، ودولة تستطيع أن تردع الخطر، وتصلح من يمكن إصلاحه، وتمكّن من يمكن تمكينه، وتحمي الجميع بالقانون.

منتدى الابتكار والتنمية

Share This Article