حين يجلس النائب على مقعد الطالب .. شهادة للتاريخ

dawoud
3 Min Read


وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم د. سامح الصقور
أكتب هذه القصة اليوم شهادة للتاريخ، لا مجاملة لأحد، ولا دفاعا عن أحد، وإنما لأن المواقف الإنسانية الصادقة تستحق أن تُروى، ولأن من واجبنا أن نشهد بالحق، حتى عندما تختلف الظروف وتتغير الأحكام.

في عام 2022، وأثناء عملي الأكاديمي في إحدى الجامعات الخاصة في العاصمة عمان، دخلت قاعة المحاضرة في بداية الفصل الدراسي، فلاحظت طالبا يجلس فيها قبل وصولي، منهمكا في الكتابة والتدوين والمتابعة، بهدوء وأدب واحترام لافت.

- Advertisement -

انتهت المحاضرة، وخرج الطلبة يتزاحمون على مدخل القاعة، وبقي ذلك الطالب جالسا يكتب ويدون، وكأن شيئا لم ينته بعد. استوقفني المشهد، لكنه لم يكن عابرا؛ ففي المحاضرة التالية، بعد يومين، تكرر المشهد نفسه: الطالب حاضر قبلي، منتبه، مجتهد، ومنهمك في دراسته، بينما كان بقية الطلبة يدخلون تباعا بعد دخولي.

قلت في نفسي: لا بد أن أعرف قصة هذا الطالب!

اقتربت منه وقلت له إن ملامحه تبدو مألوفة لي، وسألته إن كان قد درس في جامعة أخرى. فأجابني بأنه درس تخصصا آخر، لكن لديه حلما قديما بأن يدرس الهندسة، وقد وجد الفرصة أخيرا لتحقيق هذا الحلم.

ثم سألته: وماذا تعمل؟

كانت إجابته مفاجئة لي:

«دكتور، أنا نائب في مجلس النواب الأردني، وقد أُوقفت عن ممارسة عملي النيابي، فقررت أن أستثمر هذه الفترة في تحقيق حلمي بدراسة الهندسة».

كان الطالب هو النائب حسن الرياطي.

وقتها، لم يكن أكثر ما استوقفني أنه نائب في البرلمان، بل أنه اختار أن يجلس على مقعد الدراسة، وأن يتعامل مع العلم بجدية واحترام، وأن يستثمر وقته في تحقيق حلم أجّله حتى وجد الفرصة المناسبة له.

لم يكن يتعامل مع القاعة بوصفها مكانا عابرا، ولا مع المحاضرة بوصفها واجبا يريد التخلص منه، بل كان طالبا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ولم يكن مثل اغلب الطلبة وخلال الامتحان ان يحاول الغش.

هذه شهادة أقولها كما عشتها، وأشهد بها كما رأيتها بعيني.

واليوم، وأنا أتابع ما يمر به النائب حسن الرياطي من ظروف، لا أكتب لأحكم على واقعة لا تغني شهادتي عن معرفة تفاصيلها، ولا لأبرر خطأ إن ثبت، وإنما لأقول إن الإنسان لا تختصره واقعة واحدة، وإن من الإنصاف ألا نمحو كل ما نعرفه من مواقف بسبب ما نسمعه عن موقف آخر

Share This Article