حين يبكي الكاتب في قاعة فارغة: من يعيد الشباب إلى الكتاب؟

dawoud
5 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم مؤيد قصاب اوغلو

في مشهد موجع تداولته المنصات مؤخرًا، وجد الكاتب الجزائري حامد ياسين نفسه أمام قاعة شبه فارغة في حفل توقيع كتابه الجديد، لم يحضر لمساندته سوى صديق له، فبكى أمام المقاعد الخالية والكتب المرصوفة التي تنتظر من يفتح صفحاتها.

- Advertisement -

قد يكون الخبر بحاجة إلى تدقيق في تفاصيله، لكن دلالته أعمق من واقعة فردية؛ إنه يختصر مأساة علاقة متدهورة بين مجتمعاتنا العربية والكتاب، وخاصة لدى الشباب.

فالمشهد ليس مجرد جرح لكاتب، بل مرآة لسؤال أكبر: كيف صار الكتاب في زمنٍ تتكدس فيه الشاشات، وتتسارع فيه المحتويات القصيرة، شيئًا هامشيًا عند كثير من الشباب؟ وكيف نطمئن إلى مستقبل الوعي، بينما تُترك قاعات الثقافة فارغة، وتحتفل التفاهة بملايين المشاهدات؟

إن عزوف الشباب عن القراءة لا يمكن اختزاله في “كسل” أو “إهمال”. إنه نتيجة تراكم عوامل متشابكة: منظومات تعليمية تُقدّم الحفظ على التفكير، وبيئات أسرية لم تعد تجعل الكتاب حاضرًا في البيت، ومدن تخلو من المكتبات العامة والمتنزهات الثقافية، وإعلام يمنح النجومية لكل شيء إلا للمعرفة. يضاف إلى ذلك أن الشاب اليوم يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي يجعله يبحث عن النجاح السريع، بينما تبدو القراءة طريقًا طويلًا لا يُدرّ مالًا ولا شهرة. ثم يأتي الخطر الأكبر: خوارزميات المنصات الرقمية التي تختصر العالم في مقاطع قصيرة، وتُقنع الشاب بأن كل ما يحتاجه من معرفة يمكن أن يُختزل في دقيقة أو دقيقتين.

لكن العزوف عن القراءة لا يعني فقط تراجع عدد الكتب المقروءة؛ إنه يعني تراجع القدرة على التأمل، والصبر على الأفكار المركبة، وامتلاك أدوات النقد. فحين يهجر الشباب الكتاب، لا يخسرون متعة القراءة فقط، بل يخسرون جزءًا من قدرتهم على فهم أنفسهم والعالم، ويصبحون أكثر عرضة للتضليل والاستهلاك والتبعية. وهنا تكمن الخطورة: أن تُحاصر العقول بضجيج الشاشات، وتُستنزف الأعمار في استهلاك لا ينتهي، بينما تبقى الكلمات وحدها في العتمة تنتظر قارئًا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تحترق كتبها، بل أن تفقد الرغبة في قراءتها؛ وليس أن يصمت كتّابها، بل أن يتحدثوا فلا يجدوا من يصغي إليهم. فبكاء الكاتب أمام قاعة فارغة ليس حدثًا عابرًا، بل إنذار مبكر بأن المجتمع قد يجد نفسه أمام جيل يعرف كيف يمرر الشاشة، لكنه لا يعرف كيف يفتح كتابًا.

ولا يكفي أن نلوم الشباب على عزوفهم، بل علينا أن نسأل: ماذا قدّمنا لهم؟ هل صنعنا مكتبات مدرسية جذابة؟ هل جعلنا القراءة جزءًا من المنهج لا عبئًا إضافيًا؟ هل دعمنا الأندية القرائية ومعارض الكتاب في المدن الصغيرة؟ هل أعدنا للكتاب حضوره في الإعلام بدل أن يظل حاضرًا في المناسبات فقط؟ هل قدمنا للشباب قدوات يقرأون ويتحدثون عن الكتب كما يتحدثون عن الرياضة والفنون؟

إن معالجة عزوف الشباب عن القراءة تحتاج إلى إصلاح ثقافي وتربوي متكامل. يبدأ من الأسرة التي تجعل الكتاب هدية وحوارًا وعادة يومية، ويمر بالمدرسة التي تُعلّم الطالب كيف يفكر لا كيف يجيب، ويستمر في الجامعة والمكتبة العامة والنادي الثقافي. ويحتاج إلى إعلام يمنح الكتاب مساحة حقيقية، وإلى صناعة نشر تقدم كتبًا شبابية جذابة وأسعارًا مناسبة، وإلى مبادرات رقمية تحول المنصات من عدوة للقراءة إلى حليف لها، عبر مراجعات الكتب والبودكاست والمسابقات القرائية.

لكن الأهم أن نُعيد للقراءة معناها الإنساني، لا أن نقدمها كواجب مدرسي أو ترف نخبوي. القراءة ليست مضيعة وقت، بل هي استثمار في العقل والذاكرة والحرية. والكتاب ليس مجرد أوراق، والثقافة ليست ترفًا، والمبدع ليس كائنًا يعيش على التصفيق؛ إنما هو صوت الضمير، وذاكرة الشعوب، وأحد خطوط الدفاع الأخيرة عن العقل والحرية.

حين يبكي الكاتب أمام قاعة فارغة، لا ينبغي أن نسأل فقط: أين ذهب القراء؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: أي مجتمع نصنع، وأي إنسان نريد أن نكون؟ إن إنقاذ القراءة عند الشباب ليس مسؤولية الكتّاب وحدهم، بل مسؤولية أسرة ومدرسة وإعلام ودولة ومجتمع مدني. والمشهد المؤلم في معرض الكتاب ينبغي أن يتحول من صورة للبكاء إلى جرس إنذار يوقظنا جميعًا، قبل أن تصبح قاعات الثقافة ذكرى، ويصبح الكتاب غريبًا في وطنه

Share This Article