وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم الدكتور عبدالحليم العواملة
هنا الكرك، مدينة المجد والتاريخ، وموطن الرجال الذين سطّروا بأفعالهم مواقف مشرّفة في حب الوطن والدفاع عن ترابه. ولن أتحدث اليوم عن رجالات الكرك، مسلمين ومسيحيين، فالتاريخ يتحدث عنهم، وتشهد مواقفهم على أصالتهم ووطنيتهم، وعلى عمق المحبة التي تجمع أبناءها، دون تمييز أو تفريق.
لكن ما شهدته الكرك من مشهد دموي مؤلم هزّ الوجدان وأثار مشاعر الحزن والغضب، يضع أمامنا تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام جريمة فردية؟ أم أمام فكر تكفيري متطرف؟ أم أن هناك جهات وتنظيمات تسعى إلى استغلال الظروف الإقليمية المضطربة لزعزعة أمن الأردن واستقراره وضرب وحدته الوطنية؟
إننا نعيش في منطقة تعصف بها الصراعات والتجاذبات، ولا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوة أجهزتها الأمنية وكفاءة مؤسساتها، أن تدّعي أنها بمنأى عن المخاطر والتحديات. فالأردن، بحكم موقعه ومواقفه وثوابته الوطنية، يقف في قلب إقليم مضطرب، الأمر الذي يستدعي أعلى درجات اليقظة والتماسك والوعي الوطني.
ولا يمكن إغفال خطر التنظيمات التكفيرية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، وما تحمله من فكر إقصائي يستبيح الدماء ويستهدف المجتمعات الآمنة، ويحاول تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب قيم التعايش بين أبناء الوطن الواحد.
كما أن المشهد الإقليمي يفرض علينا قراءة التحديات بوعي ومسؤولية؛ فالأردن يتمسك بثوابته الوطنية، ويدافع عن أمنه وسيادته، ويرفض مشاريع التهجير القسري والتوطين التي تهدد حقوق الشعب الفلسطيني وهويته، كما يحرص على حماية قراره الوطني المستقل من أي تدخلات أو مخططات إقليمية قد تمس أمنه واستقراره. غير أن تحديد الجهات المسؤولة عن أي جريمة أو ربطها بمخططات خارجية يظل مسؤولية التحقيقات والأدلة الموثوقة، بعيدًا عن التخمين والاستنتاجات غير المثبتة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نجح مرتكبو هذه الجريمة النكراء في إحداث شرخ بين أبناء الأردن، أو في بث الخوف والفرقة في مجتمع عُرف بتماسكه وتلاحمه؟
والجواب أن وحدتنا الوطنية أكبر من محاولات الفتنة، وأن روابط الأخوة بين الأردنيين أعمق من أن تنال منها يد الغدر والإرهاب. فالأردنيون، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الأرض والتاريخ والمصير، تجمعهم راية واحدة، وقيادة هاشمية يلتفون حولها، وإيمان راسخ بأن أمن الوطن واستقراره مسؤولية الجميع.
إن الكرك ليست مجرد مدينة في جغرافيا الأردن، بل هي رمز للكرامة والبطولة والتضحيات، وستبقى شاهدة على أن الأردنيين، حين يواجهون المحن، يزدادون تماسكًا وإصرارًا على حماية وطنهم. ومن هنا، فإن الرد الحقيقي على كل محاولة لزرع الفتنة يكون برفض خطاب الكراهية، والتمسك بسيادة القانون، ودعم مؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة بين المواطنين، وترسيخ قيم المحبة والتسامح والعيش المشترك.
هنا الكرك… هنا الأردن؛ وطن لا تفرّقه المحن، ولا تهزمه الفتن، ولا تنال من وحدته محاولات الإرهاب.
حفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا، وحمى قيادته الهاشمية وشعبه الوفي، ورحم الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وأدام على وطننا نعمة الأمن والوحدة والسلام.

