مطالعة قانونية من إعداد: مركز إحقاق للدراسات القانونية
وكالة تليسكوب الإخبارية
في اجتهاد قضائي يكتسب أهمية خاصة في تحديد نطاق المسؤولية المدنية وضوابط التعويض عن الأضرار الناجمة عن الإصابات الجسدية، أكدت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية، من خلال قرارين صادرين عنها، أن استحقاق التعويض عن الضرر المعنوي لا يقوم بمجرد ثبوت وقوع الإصابة أو تحقق الفعل الضار، وإنما يتطلب التحقق من الآثار التي خلفتها الإصابة، ومدى انعكاسها على المركز الاجتماعي للمصاب، وما إذا كانت قد تركت أثراً أو عجزاً أو عاهة من شأنها التأثير في حياته ونشاطه الاجتماعي.
ويتمثل القرار الأول في حكم محكمة التمييز رقم (3799/2016) الصادر بتاريخ (6/2/2017)، فيما يتمثل القرار الثاني في حكمها رقم (6172/2025) الصادر بتاريخ (21/9/2025)، والذي أعاد التأكيد على المبدأ القضائي الذي استقر عليه الحكم الأول، وأبرز أهمية التحقق من الأثر الفعلي للإصابة قبل الحكم بالتعويض عن الضرر المعنوي.
أولاً: القرار رقم (3799/2016) – التعويض المعنوي لا يفترض بمجرد وقوع الإصابة:
تتلخص وقائع الدعوى في تعرض أحد الأشخاص لحادث سير أثناء ركوبه في مركبة عائدة لبلدية إربد الكبرى، الأمر الذي دفعه إلى إقامة دعوى للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به نتيجة الحادث.
وقد قضت محكمة الدرجة الأولى له بالتعويض عن الضرر المعنوي بمبلغ ألفي دينار، إلى جانب التعويض عن الأضرار المادية ومدة التعطيل، وأيدت محكمة الاستئناف ذلك الحكم.
إلا أن محكمة التمييز، في قرارها رقم (3799/2016)، بحثت مدى توافر شروط استحقاق التعويض عن الضرر المعنوي، وخلصت إلى أن الإصابة التي تعرض لها المدعي كانت إصابة شافية، وأن مدة التعطيل المقررة طبياً بلغت أربعة أشهر، دون أن يثبت تخلف عاهة أو عجز دائم أو جزئي من شأنه التأثير على مركزه الاجتماعي.
واستندت المحكمة إلى أحكام المادة (267) من القانون المدني، التي تقرر شمول الضمان للضرر الأدبي، واعتبرت أن التعويض عن الضرر المعنوي في الحالة المعروضة يرتبط بوجود إصابة تترك أثراً من شأنه الإخلال بالمركز الاجتماعي للمصاب والحد من نشاطه الاجتماعي.
وانتهت المحكمة إلى أن الإصابة التي تشفى دون أن تترك أثراً أو عجزاً أو عاهة دائمة، ولا يترتب عليها إخلال بالمركز الاجتماعي للمصاب، لا تنهض بذاتها أساساً لاستحقاق التعويض المعنوي وفق المعيار الذي طبقته في هذه الدعوى.
كما تناول القرار مسألة التعويض عن مدة التعطيل، وقرر أن هذا التعويض من قبيل الضرر المادي، وأن استحقاقه يتوقف على تحقق خسارة فعلية في دخل المصاب، بحيث لا يكفي ثبوت التعطيل الطبي وحده، بل يتعين التحقق مما إذا كان المصاب قد فقد دخله أو انتقص منه خلال مدة التعطيل.
وبناءً عليه، فإن الموظف الذي يستمر في تقاضي راتبه كاملاً خلال مدة تعطيله لا يستحق تعويضاً عن فقدان الدخل عن تلك المدة، ما دام مركزه المالي لم يتأثر بالإصابة.
كذلك أكدت المحكمة أن الحكم ببدل نفقات العلاج والتنقلات يقتضي تقديم البينة على تكبد هذه النفقات، وأن على المحكمة بيان الأدلة التي اعتمدتها في الحكم بها، بصورة واضحة لا يشوبها الغموض أو الإبهام.
ثانياً: القرار رقم (6172/2025) – إعادة تأكيد المبدأ ووجوب التحقق من آثار الإصابة:
في القرار الأحدث رقم (6172/2025)، عادت محكمة التمييز إلى بحث المسألة ذاتها، ولكن في واقعة مختلفة تتعلق بإصابة شخص نتيجة تعرضه لصعقة كهربائية بسبب تسرب التيار الكهربائي إلى جسم عمود إنارة مملوك للشركة المدعى عليها.
وكانت الشركة قد أدينت جزائياً بجرم التسبب بالإيذاء، واكتسب الحكم الجزائي الدرجة القطعية، ثم أقام المصاب دعوى حقوقية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به.
وقد استند المدعي في مطالبته إلى ما أصابه من أضرار جسدية ونفسية وتعليمية واجتماعية، مشيراً إلى أن الإصابة أثرت على حياته الدراسية والاجتماعية، وأنها خلفت لديه مخاوف نفسية من الكهرباء والأجهزة الكهربائية.
وقضت محكمة الدرجة الأولى بالتعويض، ثم أصدرت محكمة البداية بصفتها الاستئنافية قرارها بإلزام الشركة بدفع مبلغ 1200 دينار، من ضمنه التعويض عن الضرر المعنوي.
ولدى نظر الطعن التمييزي، استندت محكمة التمييز صراحة إلى اجتهادها السابق في القرار رقم (3799/2016)، وأكدت أن الإصابة التي لا تترك أثراً أو عجزاً أو عاهة دائمة لا تؤدي، وفق المعيار القضائي الذي قررته، إلى الإخلال بالمركز الاجتماعي للمصاب بما يوجب التعويض عن الضرر المعنوي.
إلا أن المحكمة لم تفصل في استحقاق المصاب للتعويض نفياً أو إثباتاً على أساس افتراض أن إصابته شافية، وإنما أخذت على محكمة الاستئناف أنها لم تتحقق مما إذا كانت الإصابة قد تركت أثراً أو عجزاً لدى المدعي أدى إلى الإخلال بمركزه الاجتماعي.
واعتبرت أن إغفال التحقق من هذه المسألة يجعل القرار سابقاً لأوانه ومستوجباً للنقض، فقررت قبول الطعن التمييزي ونقض الحكم وإعادة الأوراق إلى المحكمة المختصة.
وتبرز أهمية هذا القرار في أنه لم يكتف بإعادة تقرير القاعدة القانونية، بل شدد على ضرورة تطبيقها من خلال التحقق القضائي من طبيعة الإصابة وآثارها الفعلية، وعدم الاكتفاء بمجرد ثبوت وقوع الحادث أو صدور حكم جزائي بالإدانة.
ثالثاً: المبادئ القانونية المستخلصة من القرارين:
من خلال قراءة القرارين معاً، يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ القانونية والقضائية المهمة:
1. الضرر المعنوي لا يفترض بمجرد وقوع الإصابة الجسدية:
إن ثبوت تعرض الشخص لإصابة نتيجة فعل ضار لا يؤدي تلقائياً إلى استحقاق التعويض المعنوي، وإنما يتعين التحقق من توافر الضرر الأدبي وفق أحكام المادة (267) من القانون المدني والمعيار الذي اعتمدته محكمة التمييز.
2. أثر الإصابة هو المعيار الجوهري في تقدير استحقاق التعويض المعنوي:
العبرة ليست بمجرد وصف الإصابة أو مدة التعطيل الطبي، وإنما بما إذا كانت الإصابة قد خلفت أثراً أو عجزاً أو عاهة من شأنها الإخلال بالمركز الاجتماعي للمصاب والحد من نشاطه الاجتماعي.
3. الإصابة الشافية التي لا تترك أثراً أو عجزاً أو عاهة دائمة لا تستوجب التعويض المعنوي وفق الاجتهاد محل الدراسة:
وهذا هو المبدأ الذي قرره الحكم رقم (3799/2016) وأعاد الحكم رقم (6172/2025) تأكيده، مع وجوب التحقق من تحقق شروطه في كل دعوى بحسب بيناتها وظروفها.
4. الإدانة الجزائية لا تعني بالضرورة ثبوت جميع عناصر الضرر المدني ومقداره:
فالحكم الجزائي القطعي قد يثبت الفعل الجرمي والمسؤولية الجزائية وفق نطاق حجيته القانونية، إلا أن المطالبة بالتعويض المدني تقتضي أيضاً التحقق من الضرر المدعى به وعناصره وعلاقته بالفعل الضار، ومقدار التعويض المستحق عنه.
5. التعويض عن مدة التعطيل يتطلب إثبات خسارة مالية فعلية:
لا يكفي تقديم تقرير طبي يحدد مدة التعطيل، بل يجب إثبات أن المصاب فقد دخله أو انتقص منه خلال تلك المدة، وأن الضرر المالي كان نتيجة للإصابة.
6. لا يجوز الجمع بين الأجر الكامل والتعويض عن فقدان الدخل عن المدة ذاتها دون وجود خسارة مالية فعلية:
فإذا استمر المصاب في تقاضي راتبه كاملاً ولم يتأثر مركزه المالي، فإن الحكم له بتعويض عن مدة التعطيل يؤدي إلى حصوله على مقابل مالي مرتين عن ذات الفترة، وهو ما اعتبرته المحكمة إثراءً بلا سبب ومخالفاً لقواعد العدالة.
7. نفقات العلاج والتنقلات من قبيل الضرر المادي الذي يتطلب الإثبات:
يتعين على المدعي إقامة البينة على تكبده هذه النفقات، ولا يكفي مجرد الادعاء بها، كما يجب على المحكمة أن تبين الأدلة التي استندت إليها في الحكم بها.
8. وجوب تسبيب الأحكام والرد على المطالبات بصورة واضحة ومحددة:
أكدت محكمة التمييز ضرورة بيان البينات المعتمدة في تقدير نفقات العلاج والتنقلات، وربط النتيجة بالأدلة المقدمة، بما يتفق مع مقتضيات المادة (188/4) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
9. لمحكمة الاستئناف الإصرار على قرارها المنقوض ضمن حدود المادة (202) من قانون أصول المحاكمات المدنية:
فالمشرع أجاز لمحكمة الاستئناف اتباع حكم النقض أو الإصرار على قرارها السابق للعلل والأسباب التي استندت إليها، إلا أن استعمال هذا الخيار لا يعفيها من الالتزام بالتطبيق الصحيح للقانون ومعالجة المسائل التي أثارتها محكمة التمييز.
رابعاً: قراءة قانونية في الأثر العملي للاجتهادين:
يرى مركز إحقاق للدراسات القانونية أن أهمية هذين القرارين لا تقتصر على تحديد شروط التعويض عن الإصابات الناجمة عن حوادث السير أو الحوادث الكهربائية، وإنما تمتد إلى تكريس ضوابط عامة في تقدير الضرر والتعويض عنه، تقوم على ضرورة التمييز بين وقوع الفعل الضار، وثبوت الإصابة، وتحقق الضرر القابل للتعويض، ومدى العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة.
ومن المهم في هذا السياق عدم الخلط بين الضرر الجسدي والضرر المعنوي والضرر المادي؛ فقد تثبت الإصابة طبياً، ويثبت وقوع الفعل الضار، ومع ذلك يبقى على المدعي إثبات عناصر المطالبة بالتعويض عن كل نوع من أنواع الضرر بحسب طبيعته.
كما أن المبدأ الذي استخلصته محكمة التمييز من القرارين يوجب على المحاكم عدم الاكتفاء بالتقارير الطبية التي تحدد مدة التعطيل، بل يتعين عليها بحث طبيعة الإصابة وما إذا كانت قد تركت آثاراً مستمرة، ومدى انعكاس ذلك على حياة المصاب ومركزه الاجتماعي.
وفي المقابل، فإن تطبيق هذا الاجتهاد يقتضي عدم الخلط بين عدم وجود عاهة دائمة وبين عدم وجود أي ضرر أدبي؛ إذ إن تقدير الضرر وآثاره يجب أن يستند إلى الوقائع والبينات، وأن ينصب على المعيار الذي قررته المحكمة، دون التوسع في افتراض وجود الضرر أو نفيه بصورة مجردة.
ومن هنا تبرز أهمية الخبرة الطبية المتخصصة والبينات التي توضح الآثار المستمرة للإصابة، ومدى تأثيرها على النشاط الاجتماعي والحياة اليومية للمصاب، باعتبارها من العناصر التي قد تكون حاسمة في تكوين قناعة المحكمة.
الخلاصة:
إن ما يستفاد من القرارين رقم (3799/2016) ورقم (6172/2025) أن التعويض القضائي ليس جزاءً تلقائياً على مجرد وقوع الحادث أو ثبوت الخطأ، وإنما هو جبر لضرر محقق تتوافر فيه شروط الضمان القانونية.
وقد رسمت محكمة التمييز من خلال هذين القرارين معياراً مهماً للفصل في المطالبات المتعلقة بالتعويض عن الإصابات الجسدية، مؤداه أن التعويض عن الضرر المعنوي، وفق الاجتهاد الذي تبنته في هاتين القضيتين، يرتبط بثبوت أثر للإصابة من شأنه الإخلال بالمركز الاجتماعي للمصاب، وأن التعويض عن مدة التعطيل يرتبط بالخسارة المالية الفعلية، فيما تستوجب نفقات العلاج والتنقلات إقامة الدليل على تكبدها.
فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم تقدير التعويض ليست مجرد وقوع الإصابة، وإنما حقيقة الضرر الذي خلفته، ومدى ثبوت آثاره، ومقدار ما أحدثه من إخلال بالمصلحة التي يحميها القانون.
مركز إحقاق للدراسات القانونية

