وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الاعلامي فيصل القاسم
ماذا تريدون بالضبط؟ توضيح لا بد منه :
عندما تُغلق الطرقات والمعابر بين السويداء ودمشق لأي سبب، تنهال عليك الاتصالات للمساعدة في إعادة فتح الطريق. فتبدأ فوراً، بهدوء ودون ضجيج، بالتواصل مع كل من يمكنه أن يساهم في الحل. لا تترك باباً إلا وتطرقه للمساعدة في إعادة فتح المعبر.
وحين يتأخر وصول الطحين، تتلقى عشرات المكالمات، فتبادر للتواصل مع كل جهة ممكنة لتسريع وصوله.
وإذا تأخر الوقود، يغص الهاتف بالاتصالات، فتعيد الكرّة بصمت من أجل تسهيل وصول المازوت والبنزين.
وإذا تأخرت المساعدات، تتلقى الطلبات من كل صوب، فتحاول بكل الطرق، داخلياً وخارجياً، تأمين ما أمكن من معونات.
وعندما يُختطف شخص أو يفقد أحدهم عزيزاً، تنهال عليك الاتصالات، فتبذل جهدك في التتبع والبحث، ولا تترك وسيلة إلا وتلجأ إليها على أمل أن تجد خيطاً يقود إلى المختفي.
وحين يتواصل معك المتضررون طلباً للتعويض أو الدعم، تتحرك قدر المستطاع بين الجهات الداخلية والخارجية، بحثاً عن سبيل لتقديم يد العون. وادعوا لنا كي ننجح في هذه المهمة التي تبدو مبشرة لعلنا نساهم في إعادة ترميم أو بناء القرى المحروقة.
تقوم بكل هذا لأنك تعتبره واجباً لا منّة فيه لمساعدة الأهل في هذه المحنة العصيبة. هذا أقل واجب. لا تبحث أبداً عن شكر، ولا تنتظر تصفيقاً. تفعل ما تستطيع لأهلك بصمت، بعيداً عن الأضواء.
لكن الغريب أنك لا تجني في النهاية سوى الشتائم والاتهامات : هذا يتهمك بالخيانة، وذاك ينعتك بأقذع الأوصاف، وثالث يعتبرك عميلاً ، أي والله رغم أنك بالكاد تجد وقتاً للنوم أو حتى الأكل.
والمفارقة الأغرب أن بعض هؤلاء يطالبك بأن تعادي كل الأطراف، تهاجمها وتشتمها وتلعنها صباح مساء، وفي الوقت ذاته يريدونك أن تتوسط لديهم لحل مشكلاتهم وتأمين احتياجاتهم!
بالمناسبة، الشتائم هي أسهل ما يمكن فعله. يمكنك أن تملأ مواقع التواصل بمنشورات غاضبة ومواقف نارية. تريد أن أدين وأشجب ما حدث. أدين وأشجب وأستنكر وأطالب بالقصاص من المجرمين. لكن ماذا بعد؟
هل نحتاج اليوم فقط لمن يصرخ ويشتم ويلعن؟ هل نحتاج لمن يصب الزيت على النار بعد هذه الكارثة، أم أننا بحاجة – أيضاً – إلى من يعمل بهدوء، يرمم ما تهدّم، ويؤمّن ما يمكن تأمينه، ويداوي الجراح المفتوحة؟
ماذا تريدون بالضبط يا رعاكم الله؟
الله المستعان.

