Ad image

هل حلال على “لي كوان يو” وحرام على البكار؟!..

dawoud
4 Min Read


وكالة تليسكوب الاخبارية
دعونا نبدأ بهدوء يليق بالعقلاء.. وبمنطق يبدو في ظاهره عادلاً إلى حد الملل.. ومع ذلك ارجو الله أن لا تملوا.. وأن تكملوا القراءة لتتبينوا..

ما المشكلة في تعيين ابنة الوزير البكار؟!.. فتاة أردنية.. درست في جامعة مرموقة في تورينتو كندا.. وتخرجت بشهادة في الاقتصاد السياسي.. ولم ترتكب جريمة.. سوى أن والدها وزير.. وهل يُعقل أن نحرم إنسانا من حقه في العمل.. فقط لأن اسمه العائلي معروف؟!.. أليس هذا ظلما مضاعفا؟!.. أليس الأولى أن نشجع أبناء المسؤولين على الانخراط في مؤسسات الدولة.. بدل الهروب إلى الخارج؟!.. اليس هذا هو الكلام المرتب.. والأخلاقي.. والمقنع؟!..

فهذه الاردنية.. تخرجت في 21 حزيران 2025.. ولو افترضنا حسن النية كاملا.. وافترضنا أن التعيين تم اليوم.. وكانت قد مارست العمل منذ أول يوم تخرجت فيه.. فهذا يعني.. أن لديها ستة أشهر خبرة عملية.. ستة أشهر فقط.. لكنها كافية فيما يبدو لأن تفتح أبواب الديوان الملكي.. وهذا بحد ذاته إنجاز وطني.. يجب أن نحتفي به.. لأن الزمن عندنا لم يعد يُقاس بالسنوات.. بل بالعلاقات.. ولم تعد الخبرة تراكم معرفة.. بل سرعة وصول.. وربما علينا إعادة تعريف كلمة ممارسة عملية.. لتشمل التدريب.. والنية الحسنة.. والاسم العائلي أيضا..

وهنا لا بد من السؤال المنطقي جدا.. هل تريدونها أن تنتظر حتى تبلغ الستين.. أو السبعين.. وأبوها وزير العمل “بزات نفسه”؟!..

سؤال ذكي.. يُستخدم عادة لإسكات أي عقل متردد.. لأن الخيارات عندنا صفرية دائما.. إما تعيين فوري.. أو تقاعد قسري قبل البدء.. لا توجد منطقة وسطى اسمها تدرج.. أو اكتساب خبرة حقيقية.. أو انتظار الدور.. فالدولة مستعجلة.. والمناصب لا تصبر.. والكرسي إن تُرك فارغا ستصيبه الوحدة..

والآن.. وبكل براءة أيضا.. دعونا نأخذ نفس المنطق.. ونضعه في سنغافورة.. هناك حيث كان “لي كوان يو” زعيماً.. لا أباً فقط.. ابنه “لي هسين لونغ” لم يُظلم لأنه ابن الزعيم.. ولم يُدلل لأنه ابن الزعيم.. بل تُرك ليمشي طريقا طويلا ومملا..

دراسة في كامبريدج.. تخرج عام 1974 بمرتبة الشرف الأولى.. ثم ماجستير من هارفارد عام 1980.. ثم جيش.. ثم برلمان عام 1984.. ثم وزارات.. ثم بعد سبعة وعشرين عاما من التخرج.. عُيّن وزيرا للمالية عام 2001.. يا للظلم.. سبعة وعشرون عاما من الانتظار.. كيف صبر؟!..

في سنغافورة.. يبدو أنهم كانوا قساة جدا.. لم يسألوا إن كان الوقت مناسبا لسن الابن.. ولا خافوا عليه من ضياع الفرصة.. تركوه يتعلم.. ويخطئ.. ويتدرج.. ويُختبر.. وكأن المنصب العام مسؤولية لا هدية.. وكأن الدولة لا تُدار بالعجلة.. بل بالصبر.. ولهذا فقط.. نجحت سنغافورة..

أما نحن.. فنحن أرحم.. نحن لا نرهق أبناء المسؤولين بالانتظار.. ولا نرهق الدولة بالتدرج.. نختصر الزمن.. ونضغط السنين في أشهر.. ونصنع من الاستثناء قاعدة.. ثم نستغرب لماذا نقارن أنفسنا بدول لا تشبهنا.. لا في الإدارة.. ولا في الجدارة.. ولا حتى في معنى الوظيفة العامة..

المشكلة ليست في ابنة الوزير.. ولا في ابن الزعيم.. المشكلة في دولة تقيس الكفاءة بالسرعة.. وتخلط الحق بالاستعجال.. وتطلب من المواطن أن يصفق للعقل.. وهو يرى المنطق يخرج من الباب الخلفي بهدوء.. ثم نقول له مبتسمين.. لا تحسدوا أحدا.. فالجميع متساوون.. لكن بعضهم متساوٍ أكثر من غيره..

محمود الدباس – أبو الليث..

Share This Article