وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم المستشار عمر الصمادي
في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد الوطني إلى قصص نجاح واقعية، يأتي مرسى زايد كنموذج للتنمية المتوازنة بين القطاعين العام والخاص، وبين رأس المال المحلي والخارجي، وبين الطموح الاقتصادي والمسؤولية التنموية.
أنه ثمرة مباشرة للدور المحوري الذي لعبه كل من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وأخيه سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في ترسيخ شراكة استراتيجية عميقة بين البلدين، تجاوزت البعد السياسي إلى تعاون اقتصادي وتنموي طويل الأمد، كان للعقبة نصيب وافر منه، بحيث يعكس رؤية إماراتية تقوم على تعزيز الشراكة الفاعلة مع الأردن، والاستثمار في الاستقرار والتنمية كمسار واحد لا ينفصل.
ولا شك بأن توجيه الاستثمارات الإماراتية نحو العقبة، عبر مؤسسات كبرى مثل مجموعة موانئ أبوظبي، لم يكن قرارا اقتصاديا محضا، بل قرارا استراتيجيا يعكس ثقة القيادة الإماراتية بالأردن، وبقيادته، وبقدرته على تحويل الاستثمار إلى قصة نجاح مشتركة.
والأهم أن المشروع يحمل بعدا رمزيا عميقا، فاسمه ومضمونه يعكسان مستوى العلاقة الأخوية بين القيادتين، ويترجمانها إلى إنجاز ملموس على أرض الواقع، ينعكس أثره على المواطن والاقتصاد معًا، فالتقاء الرؤية الهاشمية مع الرؤية الإماراتية في مرسى زايد يؤكد أن التنمية الحقيقية في المنطقة لا تقوم على المبادرات الفردية، بل على شراكات قيادية واعية، تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان والمكان هو استثمار في المستقبل.
وعليه، يمكن القول إن مرسى زايد هو نتاج إرادة سياسية عليا من قيادتين، آمنتا بأن العقبة تستحق أن تكون مدينة عالمية، وبأن التعاون الأردني الإماراتي قادر على إنتاج مشاريع استراتيجية تشكل نماذج يحتذى بها في العمل العربي المشترك.
وفي رأيي الخاص فإن دعم هذا المشروع، وتسريع مراحله، وضمان تكامله مع باقي مشاريع العقبة، يمثل استثمارا في مستقبل المدينة، وفي دورها كرافعة أساسية للاقتصاد الأردني، إذ لا يمكن التعامل مع مشروع مرسى زايد في العقبة على أنه مجرد مشروع تطوير ساحلي أو إضافة سياحية جديدة، بل هو مؤشر اقتصادي وسياسي في آن واحد، يعكس تحولا في طريقة التفكير بالتنمية المحلية ودور العقبة في الاقتصاد الوطني، فالمشروع يأتي في توقيت حساس تحتاج فيه المدن إلى استثمارات نوعية قادرة على إحداث أثر طويل الأمد، لا حلول مؤقتة أو مشاريع تقليدية محدودة الأثر.
ما يميز مرسى زايد هو شموليته، إذ يجمع بين السياحة، والسكن، والخدمات البحرية، والأنشطة التجارية ضمن منظومة واحدة، قادرة على خلق حركة اقتصادية مستدامة، وهذا النوع من المشاريع كما يعلم الجميع لا ينعش قطاعا بعينه، بل يحرك سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة به، ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويعيد تشكيل صورة المدينة كوجهة استثمارية حديثة.
كما أن الشراكة مع استثمار إماراتي بحجم وخبرة مجموعة موانئ أبوظبي تحمل رسالة ثقة مهمة للأسواق والمستثمرين، مفادها أن العقبة بيئة جاذبة وقادرة على استقطاب رأس المال النوعي، ونقل الخبرات، وتطبيق معايير عالمية في التطوير والإدارة، هذه الثقة بحد ذاتها قيمة اقتصادية لا تقل أهمية عن حجم الاستثمار.
أعتقد أن الأثر الحقيقي لمرسى زايد سيتجلى في قدرته على تنويع القاعدة الاقتصادية للعقبة، وتقليل الاعتماد على الأنشطة التقليدية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب والقطاعات الخدمية والسياحية، وإذا ما تم دمج المشروع ضمن رؤية شاملة لتطوير المدينة، فإنه يمكن أن يشكل نموذجا وطنيا ناجحا للتكامل بين القطاعين العام والخاص.
ختاما، مرسى زايد ليس مشروعا للعقبة فقط، بل فرصة للاقتصاد الأردني بأكمله، ونجاحه سيعني ترسيخ مكانة العقبة كمحرك تنموي حقيقي، وواجهة استثمارية قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.


