وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتب رفيق السلامي
إنّ القراءة الواقعية للمشهد الجيوسياسي المتفجر في هذا المنعطف من مارس 2026، لا تستقيم إلا بتجاوز القشور السياسية السطحية والغوص في عمق التحولات الهيكلية التي تضرب أساسات النظام الدولي. نحن اليوم أمام مشهد يعيد صياغة التاريخ بالحديد والنار، حيث انتقلت المواجهة من “حروب الظل” إلى الصدام الجبهوي المباشر، واضعةً واشنطن وطهران وتل أبيب في مثلث “الحسم الصفري” الذي سيحدد هوية القطب المهيمن على مقدرات القرن الحادي والعشرين. إن عملية “زئير الأسد” التي انطلقت في فبراير الماضي لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل كانت إعلان القوة الغربية عن محاولتها اليائسة لاستعادة زمام المبادرة في منطقة باتت تنزلق من تحت أقدامها نحو “تعددية قطبية” لا تقبل المساومة.
في الداخل الإسرائيلي، نرقب اليوم سكرات الموت السياسي لمنظومة الحكم التي يقودها بنيامين نتنياهو، والذي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة الفشل العسكري وسندان الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. إن محاولة نتنياهو الهروب إلى الأمام عبر توسيع رقعة الصراع لتشمل العمق الإيراني المباشر، لم تعد تعبر عن قوة ردع بقدر ما تعبر عن “انتحار استراتيجي” مدفوع برغبة البقاء الشخصي فوق أنقاض الدولة. إن المؤشرات الميدانية تؤكد أن إسرائيل، ورغم كثافة النيران الجوية، تعيش حالة من “السيولة الأمنية” وفقدان التوازن الهيكلي، حيث بات المجتمع الداخلي، المثقل بنسبة فقر تجاوزت 26% وتضخم ينهش الأجور، غير قادر على تحمل كلفة طموحات قائد يرى في الحرب وسيلته الوحيدة لتجنب السقوط القانوني والسياسي المحتوم قبل نهاية هذا العام العاصف.
وعلى الضفة المقابلة، يبرز المتغير الإيراني كقوة “برية” صلبة نجحت في تحويل التهديد إلى فرصة جيواستراتيجية كبرى. إن طهران، تحت قيادتها الجديدة المتمثلة في مجتبى الخامنئي، انتقلت إلى “عقيدة الردع النشط”، حيث لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد ورقة ضغط سياسي، بل تحول إلى واقع ميداني أصاب الشرايين الاقتصادية العالمية بسكتة قلبية. إن الاستهداف الدقيق للسفن والمنصات المرتبطة بالمصالح الغربية، والتحكم المطلق في الممرات المائية الحيوية، رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية لامست 116 دولاراً للبرميل، مما وضع إدارة دونالد ترامب في واشنطن أمام معضلة وجودية: إما الانزلاق إلى حرب استنزاف برية مستحيلة تقنياً في الجغرافيا الإيرانية الوعرة، أو القبول بواقع “إيران النووية” التي باتت قاب قوسين أو أدنى من إعلان تفوقها الردعي النهائي.
وهنا يبرز الاحتمال الأكثر رعباً في غرف القرار الغربية، وهو دخول كوريا الشمالية كلاعب “حسم نووي” خلف الستار. إن تآكل الوقت أمام البرنامج النووي الإيراني نتيجة الغارات الجوية قد يدفع بيونغ يانغ، بدافع المصلحة الوجودية المشتركة، إلى تزويد طهران بـ رؤوس نووية جاهزة أو تقنيات تصغير متقدمة تختصر سنوات من التخصيب المتعثر؛ فالحسابات الجيوسياسية تشير إلى أن تزويد طهران بقرابة عشرة رؤوس نووية تكتيكية يمثل لبيونغ يانغ “تأميناً استراتيجياً” يحول الصراع الإقليمي إلى توازن رعب عالمي، ويجعل من “الخيار النووي الإيراني” واقعاً مفروضاً لا تملكه المصانع بل تملكه التحالفات العابرة للقارات، وهو ما سيمثل رصاصة الرحمة في جسد “الهيبة الأمريكية” في الشرق الأوسط.
إن الموقف الأمريكي، الذي يحاول دونالد ترامب ترميمه عبر لغة القوة والصفقات الخشنة، يصطدم اليوم بواقع “الاستنزاف المتبادل”. فبينما يضغط المجمع الصناعي العسكري في واشنطن نحو التصعيد، يدرك الواقعيون في البنتاغون أن كلفة كسر الإرادة الإيرانية وحلفائها في “محور المقاومة” تتجاوز القدرة المالية واللوجستية للولايات المتحدة في ظل ديون سيادية متفجرة وانقسام مجتمعي حاد. إن التحالف القائم بين نتنياهو وترامب يواجه اليوم حقيقة أن “القوة الجوية” لا تصنع واقعاً سياسياً مستداماً أمام “أشباح سيبرانية” ومسيرات ذكية قادرة على شل المطارات والقواعد والمدن بلمشة زر، مما يجعل من النصر العسكري المزعوم هزيمة اقتصادية وإستراتيجية ساحقة لا يمكن تجميلها.
وفي سياق التوازنات الدولية الكبرى، تلعب موسكو وبكين دور “المراقب النشط” الذي يحصد ثمار التخبط الغربي. فروسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، استغلت انشغال الآلة العسكرية الأمريكية بمحرقة الشرق الأوسط لتعزيز مكاسبها في أوروبا الشرقية وفرض نظام أمني جديد ينهي أحلام “الناتو” عند حدودها. أما الصين، فتخوض حربها بـ “اليوان الذهبي”، مستبدلةً الدولار في تعاملات الطاقة ومؤسسةً لنظام مالي موازٍ يجعل من العقوبات الغربية مجرد حبر على ورق. إن هذا التخادم الاستراتيجي بين الشرق الآسيوي والقلب الإيراني، المدعوم بالخبرة النووية الكورية الشمالية، يؤسس لـ “أوراسيا الكبرى” التي تحدث عنها ألكسندر دوغين، حيث تفقد “قوى البحر” (واشنطن وحلفاؤها) سيطرتها التاريخية على “قلب الأرض” وممراتها الحيوية.
إننا اليوم في خضم مارس 2026، نشهد مخاض ولادة نظام إقليمي وعالمي جديد، لا مكان فيه للضعفاء أو المترددين. إن عام 2026 هو العام الذي سيسجل فيه التاريخ نهاية “الحقبة الصهيونية” في قيادة المنطقة، وانكسار أحادية القطب الأمريكي تحت وطأة الصمود الإيراني والتمدد الروسي-الصيني. إن المعادلة باتت واضحة: من يمتلك المضائق، ويمتلك التكنولوجيا الهجومية الرخيصة والفعالة، ويمتلك الجغرافيا المحصنة، هو من سيكتب قواعد الاشتباك في العصر القادم. إن رحيل نتنياهو المرتقب وتراجع النفوذ الأمريكي ليسا إلا مجرد أعراض لمرض عضال أصاب بنية الهيمنة الغربية، ليعلن الشرق الأوسط للعالم أن زمن الإملاءات قد ولى، وأن السيادة اليوم تُنتزع بالصواريخ الباليستية والرؤوس النووية العابرة للحدود والإرادة السياسية الصلبة التي لا تنحني أمام التهديد.
والسلام.
(رفيق-السلامي)

