وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتبه ايمان الحنيطى!
ليس كل نقاشٍ حوارًا، ولا كل قلمٍ شاهدَ حق. في هذا الزمن المزدحم بالضجيج، تحوّلت الكلمة عند بعضهم من أمانة إلى أداة، ومن موقف إلى وظيفة. صار النقاش ساحة استعراض لا ميدان فهم، يتبارى فيها المتكلمون بعضلات لغوية منتفخة، يرفعون الصوت لأنهم لا يملكون الحجة، ويكثرون الكتابة لأن المعنى عندهم شحيح. هذا هو النقاش الذي لا يفيد، لأنه لا يبحث عن الحقيقة، بل يدفنها تحت ركام الكلام.
وهنا تقف الأقلام المأجورة. التي لا رأي لها إلا ما يُملى، ولا موقف لها إلا ما يُدفع ثمنه. تكتب اليوم عكس ما كتبته أمس، وتهاجم ما كانت تُصفّق له، وتُصفّق لما كانت تلعنه، لا لأن الوقائع تغيّرت، بل لأن الجهة تغيّرت. هذه ليست أقلام اختلاف، بل أقلام وظيفة، تؤدي دورها ببرود، ثم تمضي، ظنًّا منها أن الناس لا ترى ولا تفهم.
وحين تصل هذه الأقلام إلى الكرك، تنكشف أكثر. لأن الكرك ليست خبرًا عاجلًا، ولا مادة للنقاش في منشورات مدفوعة، ولا حادثة تُختزل في سطر. وعند الكرك تنكسر الأقلام وتخرس الألسن. هنا الحقيقة المرة التي لا يستوعبها أصحاب العقود والمصالح: الكرك وجدان الأردن الصافي، هي العراقة التي سبقت حبرهم وعقولهم المؤقتة بآلاف السنين. فالكرك ليست مدينة طارئة، بل أصل الحكاية الأردنية. حجارة القلعة أصدق من كل وعودهم، لأنها شهدت الوقفات لا البيانات، والمواقف لا التصريحات. وقفة الهيّة أطول من كل مقالاتهم، لأنها كُتبت بالفعل لا بالكلام، وبالدم والكرامة لا بالحبر المستعار. وتاريخنا أثقل من كل بروباغندا يحاولون زرعها في وعينا، وأرسخ من كل سردية صُنعت بعيدًا عن الناس.
أهل الكرك ليسوا طارئين على هذه البلاد. هم من نسيجها الأول، من خبز الطابون، ومن القهوة السادة، ومن الدواوين التي تُحلّ فيها القضايا قبل أن تُرفع، ومن نخوة لا تسأل عن مقابل. بيوتهم مفتوحة، وظهورهم مستقيمة، وكلمتهم حين تُقال تُحسب، وحين تُعطى لا تُسحب. هذا مجتمع لا يمكن تشويهه بقلم مبتز، ولا تشكيكه بمنشور مأجور، لأنه يعرف نفسه، ويثق بتاريخه، ولا ينتظر شهادة حسن سلوك من أحد.
ومع ذلك، يخرج من يحاول أن يكتب عكس الحقيقة، وكأن الذاكرة قصيرة، وكأن الوعي هش. يراهنون على التعب، وعلى كثرة الضجيج، وعلى أن الكذب إذا تكرر صار مقبولًا. ينسون أن الأردني قد يصمت طويلًا، لكنه لا ينسى، وقد لا يدخل في سجال، لكنه يعرف تمامًا من يكتب بضمير، ومن يكتب بأجر.
النقاش مع الأقلام المأجورة عبث، لأنك لا تحاور عقلًا، بل عقدًا، ولا تناقش فكرة، بل مصلحة. الرد الحقيقي لا يكون بمجاراة الضجيج، بل بكشف خوائه، وبالتذكير أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، وأن المدن العريقة لا تهتز بمقال.
ستبقى الكرك، بقلعتها الشمّاء، وبأهلها الغانمين الذين يعرفون متى يصبرون ومتى يقفون، وبوقفتها التي لا تلين ولا تُساوم ولا تنكسر. وسيبقى كل قلم مأجور مجرد غبار عابر على هامش التاريخ، يثير ضجيجًا لحظة ثم يهبط بلا أثر. فالتاريخ لا يحفظ الأصوات العالية، بل المواقف الثابتة، ولا يذكر من كتب ليبيع، بل من وقف ليبقى.


